التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٢ - مبدأ نشر الإسرائيليات
مبدأ نشر الإسرائيليّات
قد عرفت مَنْع النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من مراجعة أهل الكتاب، مَنْعه الباتّ، حتّى الاستنساخ من كتبهم فضلًا عن الرجوع إلى أقاويلهم. و من ثَمَّ لم يكن يجرأ أحد من الصحابة أن يراجع أهل الكتاب أو يأخذ عنهم شيئا من الأخبار، و ذلك ما دام النبيّ على قيد الحياة.
و في حديث عمر الآنف، لمّا زجره النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم على استنساخه عن كتب القوم، قام و قال متندّما على ما فرط منه: «رضيت باللّه ربّا، و بالإسلام دينا، و بك رسولًا»[١].
و هكذا انتهج المسلمون منهجا سليما عن شوب أكدار أهل الكتاب، مدّة حياته صلى الله عليه و آله و سلم، و مدّة أيّام أبي بكر، و طرفا من أيّام عمر.
ثمّ لمّا توسّعت رقعة الإسلام و فاضت بلاد المسلمين بكثرة الوافدين، و فيهم الأجانب عن روح الإسلام، ممّن لا معرفة له باصول الشريعة، نرى أنّ هذا السدّ المنيع قد أُزيل، و جعلت أكاذيب أهل الكتاب تتسرّب بين المسلمين، و لم تزل تتوسّع دائرتها مع توسّع البلاد.
هذا كعب الأحبار، أتى بخُزعْبلاته في هذا العهد، و أبدى عبد اللّه بن عمرو بن العاص بمفترياته عن زاملتيه أيضا في هذا العهد، كما كظّ أبو هريرة بمخاريقه في هذا الدور المتأخّر عن حياة الرسول. و هكذا نرى عمر بن الخطّاب قد أذِن لتميم بن أوس الداريّ أن
[١] -. حدّث عمر عن نفسه، قال: انتسخت كتابا من أهل الكتاب، ثمّ جئت به في أديم، فقال لي رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: ما هذا في يدك يا عمر؟ قلت: كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ نودي بالصلاة جامعة، فقال: يا أيّها الناس إنّي قد اوتيت جوامع الكلم و خواتيمه، و اختُصِر لي اختصارا. و لقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة، فلا تهوّكوا، و لا يغرّنكم المتهوّكون. فقمت و قلت: رضيت باللّه ربّا و بالإسلام دينا و بك نبيّا تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٤٦٧.
و روى أحمد بإسناده عن عبد اللّه بن ثابت قال: جاء عمر بن الخطّاب إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم إنّي مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة، ألا أعرضها عليك! قال: فتغيّر وجه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم. قال عبد اللّه بن ثابت: فقلت لعمر: ألا ترى ما بوجه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، فقال عمر: رضينا باللّه تعالى ربّا، و بالإسلام دينا، و بمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم رسولًا. قال: فسرى عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم و قال: والذي نفس محمّد بيده لو أصبح فيكم موسى ثمّ اتّبعتموه و تركتموني لضللتم، إنّكم حظّي من الامم و أنا حظّكم من النبيّين مسند أحمد، ج ٤، ص ٢٦٥- ٢٦٦.