التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - ١٤ الإسرائيليات في سبب لبث يوسف في السجن
يوسف، فعبّرها له خير تعبير؛ فكان ذلك سبب نجاته من السجن، و قول امرأة العزيز: «الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ».
و أغلب الظنّ عندنا أنّ هذا من الإسرائيليّات، فقد صوّرت سجن يوسف على أنّه عقوبة من اللّه لأجل الكلمة التي قالها، مع أنّه عليه السلام لم يقل هجرا، و لا منكرا، فالأخذ في أسباب النجاة العاديّة، و في أسباب إظهار البراءة و الحقّ، لا ينافي قطّ التوكّل على اللّه تعالى. و البلاء للأنبياء ليس عقوبة، و إنّما هو لرفع درجاتهم، و ليكونوا اسوة و قدوة لغيرهم، في باب الابتلاء. و في الحديث الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «أشدّ الناس بلاءً الأنبياء، ثمّ الأمثل فالأمثل».
و قد روى ابن جرير هاهنا حديثا مرفوعا، فقال: حدّثنا ابن وكيع قال: حدّثنا عمرو بن محمّد، عن إبراهيم بن يزيد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبّاس مرفوعا، قال: قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: «لو لم يقل- يعني يوسف- الكلمة التي قالها، ما لبث في السجن طول ما لبث، حيث يبتغي الفرج من عند غير اللّه».
و لو أنّ هذا الحديث كان صحيحا أو حسنا؛ لكان للمتمسّكين بمثل هذه الإسرائيليّات التي أظهرت سيّدنا يوسف بمظهر الرجل المذنب المدان وجهة، و لكنّ الحديث شديد الضعف، لا يجوز الاحتجاج به أبدا.
قال الحافظ ابن كثير: «و هذا الحديث ضعيف جدّا[١]؛ لأنّ سفيان بن وكيع- الراوي عنه ابن جرير- ضعيف، و إبراهيم بن يزيد أضعف منه أيضا، و قد روى عن الحسن و قتادة مرسلًا عن كلّ منهما، و هذه المرسلات هاهنا لا تقبل[٢]، و لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن، و اللّه أعلم»[٣]. و قد تكلّف بعض المفسّرين للإجابة عمّا يدلّ عليه هذا
[١] -. الضعيف جدّا لا يحتجّ به لا في الأحكام و لا في الفضائل، فما بالك في مثل هذا؟
[٢] -. لأنّ المرسل احتجّ به بعض المحدّثين إذا تضافر أمّا في مثل هذا الذي فيه إدانة بعض الأنبياء، و إلقاء اللوم عليه فلا.
[٣] -. تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٤٧٩.