التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٤ - ظاهرة تداعي المعاني
ذلك من أنّهم يأخذون بالباطن بعد الأخذ بالظاهر، و يقرّون الحقيقة بعد الأخذ بالشريعة، و يرون أنّ الحقيقة نفسها أساسها الشريعة، فالفرق ثمّة كبير، و البون شاسع و عظيم.
و لا مجال بعد هذا الإيضاح لإنكار من ينكر على الصوفيّة مذهبهم في الإشارات و ما يختصّهم اللّه به في كلامه و كلام رسوله صلى الله عليه و آله و سلم من الأسرار و الفيوضات.
على أنّ تلك الإشارات أمر مشروع أقرّه الحديث المذكور آنفا: «لكلّ آية ظاهر و باطن و حدّ و مطلع» فأربابها متّبعون لا مبتدعون، اختصّهم اللّه بأسراره في آياته، ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدُّجى، كما أقرّه عمد الدين و ذوو العلم من المؤلّفين:
و قد تقدّم كلام سعد الدين التفتازانيّ بشأن ما ذهب إليه أهل التحقيق من صرف النصوص على ظواهرها، و مع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى حقائق تنكشف على أرباب السلوك، ممّا يمكن تطبيقها مع الظواهر، فهو من كمال الإيمان و محض العرفان[١].
و قال الشيخ زروق: «نظر الصوفيّ أخصّ من نظر المفسّر و صاحب فقه الحديث؛ لأنّ كلًاّ منهما يعتبر الحكم و المعنى ليس إلّا، و هو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتاه».
فإذا دار المفسّر في حدود اللفظ القرآنيّ، و استنبط منه الفقهاء ما استنبطوا من أحكام، فلأُولي الألباب و ذوي البصائر فيه بعد ذلك من الأسرار و الحقائق ما لا ينكشف لسواهم و لا يدركه غيرهم، و ذلك لتجدّد واردات الحقّ عليهم، و دوام تنزّل الفيوضات على قلوبهم؛ لأنّهم أهله و محبّوه[٢].
*** ظاهرة تداعي المعاني
نعم، كانت السوانح الفكريّة التي تُدعى واردات القلوب، يمكن تفسيرها بظاهرة تداعي المعاني (الشيء يُذكر بالشيء) فقد ينسبق إلى أذهان أصحاب المعالي لطائف أفكار و ظرائف أنظار، و لا منشأ لها سوى تلاوة آيات قرعت أسماعهم، و إذا بدقائق هي
[١] -. شرح العقائد النسفيّة، ص ١٢٠ ط كابل.
[٢] -. تفسير القشيريّ المقدّمة، ج ١، ص ٤- ٦.