التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٥ - من هو العارف و من هو الصوفي؟
المرتبة الأُولى، إيمان العوامّ، و هو إيمان التقليد المحض.
و الثانية، إيمان المتكلّمين، و هو ممزوج بنوع استدلال، و درجته قريبة من درجة إيمان العوامّ.
و الثالثة، إيمان العارفين، و هو المشاهَد بنور اليقين ..[١]
و قد كانت الصوفيّة خصوم الفقهاء في الدور الأوّل، و أصبحوا خصوم المتكلّمين و أهل النظر في دور متأخّر .. فقد نابذوا هؤلاء و هؤلاء جميعا ..
و كان من جرّاء هذه المنابذة و تلك أن أخذت الصوفيّة في أدوار متأخّرة في الهبوط إلى مرحلة الابتذال و الأخذ في الشطحات- على حدّ تعبيرهم- أخذا بلا هوادة، و إن شئت قلت: تعابير هي أشبه بالخيال من مشاهدة الحال ..
نسب إلى أبي يزيد البسطاميّ (توفّي سنة ٢٦١) أنّه قال: «رفعني مرّة فأقامني بين يديه و قال لي: يا أبا يزيد، إنّ خلقي يحبّون أن يروك! فقلت: زيّنّي بوحدانيّتك، و ألبسني أنانيّتك، و ارفعني إلى أحديّتك، حتّى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك و لا أكون أنا هناك ..».
و حكي عنه أيضا أنّه قال: «أوّل ما صرتُ إلى وحدانيّته فصرتُ طيرا جسمُه من الأحديّة و جناحاه من الديموميّة، فلم أزل أطير في هواء الكيفيّة عشر سنين حتّى صرتُ إلى هواء مثل ذلك مائة ألف ألف مرّة، فلم أزل أطير إلى أن صرتُ في ميدان الأزليّة، فرأيت فيها شجرة الأحديّة- ثمّ وصف أرضها و فرعها و أغصانها و ثمارها- ثمّ قال: فنظرتُ فعلمتُ أنّ هذا كلّه خدعة».[٢]
و لابن عربيّ:
|
عقد الخلائق في الإله عقائدا |
وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه |
|
فالتصوّف كان وحده من بين معترك المذاهب تسامحا صرفا و سلاما في كلّ ما مرّ من
[١] -. إحياء العلوم، ج ٣، ص ١٥.
[٢] -. راجع: تذكرة الأولياء للنيشابوريّ، ج ١، ص ١٦٠- ١٦٤ حديث معراجه.