التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٦ - إمام المشككين
مخالفة لأمر اللّه تعالى، فيكون الذمّ حاصلًا على الترك و الفعل.
قال: فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع. و هذا هو الكلام الهادم لأُصول الاعتزال. و لقد كان السلف و الخلف من المحقّقين معوّلين عليه في دفع اصول المعتزلة و هدم قواعدهم. و لقد قاموا- أي المعتزله- و قعدوا و احتالوا على دفعه فما أتوا بشيء مقنع.
*** هذه هي الوجوه الخمسة التي زعم منها دلائل ثابتة تدعم نظريّة أصحابه في جواز التكليف بغير المستطاع، و حسب أنّ خصومهم أصحاب الاعتزال عجزوا عن ردّها مهما أُوتوا من حول و قوّة.
في حين أنّ آثار الوهن بادية عليها، لأنّ أساسها العلم الأزليّ الإلهيّ المتعلّق بعدم إيمان الكافر الجاحد. و الحال أنّ العلم مهما يكن فإنّه ليس سببا لوقوع المعلوم، بل إنّ وقوع المعلوم في وقته سبب لحصول هذا العلم، فالعلم تبع للمعلوم. فلو فرض أنّهم كانوا يؤمنون؛ لكان العلم حاصلًا بإيمانهم. فليس العلم القديم أصلًا، بل هو فرع تحقّق المعلوم في حينه المتأخّر، كما قال أبو الحسين البصريّ: إنّ العلم تبع المعلوم، فإذا فرض الواقع من العبد الإيمان، عرف أنّ الحاصل في الأزل للّه تعالى هو العلم بالإيمان، و العمدة أنّ العبد مختار في الكفر و الإيمان، فأيّ منهما تحقّق منه، علمه اللّه في الأزل، و ليس علمه تعالى سببا قهريّا يسلب عن العبد اختياره في العمل.
و هذا واضح لمن تدبّر، و لا أظنّ خفاءه على مثل الإمام الرازيّ صاحب الذهنيّة الوقّادة، و لكن تظاهرا بالدفاع عن مذهبه الرسميّ المفروض عليه من قبل السلطات، دعاه إلى ذكر مثل هذه الوجوه البادي عليها الضعف و الوهن. و تماشيا مع الجوّ الحاكم أُجبر على الانسجام مع الوضع الراهن.
و من ثَمَّ نراه- عند ما يذكر دلائل أصحاب الاعتزال- نراه يذكرها بقوّة و دقّة و إحاطة و تفصيل، بما لا يدع مجالًا في إمكان قبول تلكم الوجوه الأشعريّة.