التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠١ - إنكاره على أهل الحديث في روايتهم للطامات
فعفى اللّه عن ابن جرير إذ جعل هذه الرواية ممّا ينشر»[١].
و قال فيما جاء من الروايات في سحر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم:
«و قد رووا هنا أحاديث في أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم سحره لبيد بن أعصم، و أثّر سحره فيه، حتّى كان يخيّل له أنّه يفعل الشيء و هو لا يفعله، أو يأتي شيئا و هو لا يأتيه، و أنّ اللّه أنبأه بذلك و أخرجت موادّ السحر من بئر، و عوفي صلى الله عليه و آله و سلم ممّا كان نزل به من ذلك، و نزلت هذه السورة (سورة الفلق)[٢].
قال: «و لا يخفى أنّ تأثير السحر في نفسه عليه السلام حتّى يصل به الأمر إلى أن يظنّ أنّه يفعل شيئا و هو لا يفعله، ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، و لا من قبيل عروض السهو و النسيان في بعض الامور العاديّة، بل هو ماسٌّ بالعقل، آخذ بالروح، و هو ممّا يصدق قول المشركين فيه: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً»[٣]. و ليس المسحور عندهم إلّا من خولط في عقله، و خيّل له أنّ شيئا يقع و هو لا يقع، فيخيّل إليه أنّه يوحى إليه، و لا يوحى إليه.
و قد قال كثير من المقلّدين الذين لا يعقلون ما هي النبوّة و لا ما يجب لها: أنّ الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صحّ، فيلزم الاعتقاد به، و عدم التصديق به من بدع المبتدعين؛ لأنّه ضرب من إنكار السحر، و قد جاء القرآن بصحّة السحر. انظر كيف ينقلب الدين الصحيح، و الحقّ الصريح، في نظر المقلّد بدعة، نعوذ باللّه، يحتجّ بالقرآن على ثبوت السحر، و يعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه صلى الله عليه و آله و سلم و عدّه من افتراء المشركين عليه، و يؤوّل في هذه و لا يؤوّل في تلك، مع أنّ الذي قصده المشركون ظاهر؛ لأنّهم كانوا يقولون: إنّ الشيطان يلابسه صلى الله عليه و آله و سلم و ملابسة الشيطان تعرف بالسحر عندهم، و ضرب من ضروبه و هو بعينه أثر السحر الذي نسب إلى لبيد، فإنّه خولط في عقله و إدراكه، في زعمهم. و الذي يجب اعتقاده، أنّ القرآن مقطوع به، و أنّه كتاب اللّه بالتواتر عن
[١] -. المصدر نفسه، ج ٣، ص ٢٩٨- ٢٩٩.
[٢] -. راجع: الدرّ المنثور، ج ٦، ص ٤١٧. و رواه البخاريّ و مسلم و ابن ماجة روح المعاني، ج ٣٠، ص ٢٨٢- ٢٨٣.
[٣] -. الفرقان ٨: ٢٥.