التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٣ - إنكاره على أهل الحديث في روايتهم للطامات
هذا الحكم القاسي، فمن ذلك أيضا حديث الشيخين «كلّ بني آدم يمسّه الشيطان يوم ولدته أمّه إلّا مريم و ابنها» فإنّه قال فيه: «إذا صحّ الحديث فهو من قبيل التمثيل لا من باب الحقيقة»[١].
«فهو لا يثق بصحّة الحديث رغم رواية الشيخين له، ثمّ يتخلّص من إرادة الحقيقة على فرض الصحّة، بجعل الحديث من باب التمثيل، و هو ركون إلى مذهب المعتزلة، الذين يرون أنّ الشيطان لا تسلّط له على الإنسان إلّا بالوسوسة و الإغواء فقط»[٢].
قلت: الحقّ أحقّ أن يتّبع، حتّى و لو كان القائل به أصحاب الاعتزال؛ إذ الحقّ ضالّة المؤمن، أخذها حيث وجدها. فإن كان مذهب أهل الجمود يقضي بالأخذ بالظواهر الظنّيّة، حتّى في باب العقائد، التي تستدعي اليقين فيها، فإنّ مذهب أهل النظر و الاجتهاد، يرى وجوب التدبّر في آياته تعالى و التعمّق فيها؛ ذلك أنّه دستور القرآن الكريم، و الذي هدى إليه العقل الرشيد.
نعم، لا تقاس عقليّة مثل شيخنا الإمام الكبير، مع ذهنيّة أمثال الذهبيّ الهزيلة التي اقتنعت بتقاليد أشعريّة سلفيّة، رغم منافاتها لأُصول الشرع و محكمات القرآن الكريم.
أوّلًا: لا سلطان لإبليس على أحد، سوى وسوسته و إغوائه، قال تعالى فيما يحكيه عن إبليس لمّا قضي الأمر: «وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ»[٣].
ثانيا: ليس للشيطان سلطان على عباد اللّه المخلصين: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ»[٤] فلم يكن لإبليس على عباد اللّه المخلصين حتّى سلطان الوسوسة و الإغواء، فكيف بالاستحواذ على عقليّتهم الكريمة[٥].
[١] -. راجع: المنار، ج ٣، ص ٢٩٠.
[٢] -. التفسير و المفسّرون، ج ٢، ص ٥٧٥.
[٣] -. راجع: المنار، ج ٧، ص ٥١٢- ٥١٣. إبراهيم ٢٢: ١٤.
[٤] -. الحجر ٤٢: ١٥.
[٥] -. و قد أنكر الشيخ الإمام إمكان استحواذ الشيطان على عباد اللّه المخلصين. راجع: المنار، ج ٣، ص ٢٩١.