التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٢ - إنكاره على أهل الحديث في روايتهم للطامات
المعصوم صلى الله عليه و آله و سلم فهو الذي يجب الاعتقاد بما يثبته، و عدم الاعتقاد بما ينفيه، و قد جاء بنفي السحر عنه عليه السلام حيث نسب القول بإثبات حصول السحر له إلى المشركين أعدائه، و وبّخهم على زعمهم هذا، فإذا هو ليس بمسحور قطعا. و أمّا الحديث فعلى فرض صحّته هو آحاد، و الآحاد لا يؤخذ بها في باب العقائد، و عصمة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم من تأثير السحر في عقله عقيدة من العقائد، لا يؤخذ في نفيها عنه إلّا باليقين، و لا يجوز أن يؤخذ فيها بالظنّ و المظنون، على أنّ الحديث الذي يصل إلينا من طريق الآحاد إنّما يحصل الظنّ عند من صحّ عنده. أمّا من قامت له الأدلّة على أنّه غير صحيح فلا تقوم به عليه حجّة.
و على أيّ حالٍ فلنا بل علينا أن نفوّض الأمر في الحديث، و لا نحكّمه في عقيدتنا، و نأخذ بنصّ الكتاب و بدليل العقل، فإنّه إذا خولط النبيّ في عقله- كما زعموا- جاز عليه أن يظنّ أنّه بلّغ شيئا و هو لم يبلّغه، أو أنّ شيئا نزل عليه و هو لم ينزل عليه، و الأمر ظاهر لا يحتاج إلى بيان»[١].
قال الذهبيّ ناقما على هذه الطريقة التي هي طريقة أهل الاعتزال:
«و هذا الحديث الذي يردّه الاستاذ الإمام، رواه البخاريّ و غيره[٢] من أصحاب الكتب الصحيحة، و ليس من وراء صحّته ما يخلّ بمقام النبوّة.» (و علّل عدم الإخلال بأنّه من قبيل المرض، و قد عرفت ردّ الإمام عليه بأحسن ردّ) و أضاف قائلًا:
«ثمّ إنّ الحديث رواية البخاريّ و غيره من كتب الصحيح، و لكنّ الاستاذ الإمام، و من على طريقته، لا يفرّقون بين رواية البخاريّ و غيره، فلا مانع عندهم من عدم صحّة ما يرويه البخاريّ، كما أنّه لو صحّ في نظرهم فهو لا يعدو أن يكون خبر آحاد، لا يثبت به إلّا الظنّ، و هذا في نظرنا هدم للجانب الأكبر من السنّة التي هي بالنسبة للكتاب في منزلة المبيِّن من المبيَّن، و قد قالوا: إنّ البيان يلتحق بالمبيَّن، قال: «و ليس هذا الحديث وحده الذي يضعّفه الشيخ، أو يتخلّص منه بأنّه رواية آحاد، بل هناك كثرة من الأحاديث نالها
[١] -. ذكر ذلك في تفسيره لجزء عمّ ص ١٨١- ١٨٢. و تعرّض له في المنار، ج ٣، ص ٢٩١.
[٢] -. جامع البخاريّ، ج ٧، ص ١٧٨؛ صحيح مسلم، ج ٧، ص ١٤؛ فتح الباري، ج ١٠، ص ١٩٣.