التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٦ - ١٢ الإسرائيليات في قوله تعالى «و لقد همت به و هم بها لو لا أن رأى برهان ربه»
كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش. و رووا مثل هذا عن عليّ رضى الله عنه و عن مجاهد، و عن سعيد بن جبير.
و رووا أيضا في البرهان الذي رآه، و لولاه لوقع في الفاحشة بأنّه نودي: أنت مكتوب في الأنبياء، و تعمل عمل السفهاء، و قيل: رأى صورة أبيه يعقوب في الحائط، و قيل: في سقف الحجرة، و أنّه رآه عاضّا على إبهامه، و أنّه لم يتّعظ بالنداء، حتّى رأى أباه على هذه الحال. بل أسرف واضعو هذه الإسرائيليّات الباطلة، فزعموا أنّه لمّا لم يَرْعَوِ من رؤية صورة أبيه عاضّا على أصابعه، ضربه أبوه يعقوب، فخرجت شهوته من أنامله! و لأجل أن يؤيّد هؤلاء الذين افتروا على اللّه و نبيّه يوسف هذا الافتراء، يزعمون أيضا: أنّ كلّ أبناء يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدا ما عدا يوسف، فإنّه نقص بتلك الشهوة التي خرجت من أنامله ولدا، فلم يولد له غير أحد عشر ولدا. بل زعموا أيضا في تفسير البرهان، فيما روي عن ابن عبّاس: أنّه رأى ثلاث آيات من كتاب اللّه: قوله تعالى: «وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ»[١]، و قوله تعالى: «وَ ما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَ ما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ»[٢]، و قوله تعالى: «أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ»[٣]، و قيل: رأى «وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا»[٤]!! و من البديهيّ أنّ هذه الآيات بهذا اللفظ العربيّ لم تنزل على أحد قبل نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و إن كان الذين افتروا هذا لا يعدمون جوابا، بأن يقولوا: رأى ما يدلّ على معاني هذه الآيات بِلُغَتهم التي يعرفونها، بل قيل في البرهان: إنّه أُري تمثال الملك، و هو العزيز، و قيل: خياله[٥]. و كلّ ذلك مرجعه إلى أخبار بني إسرائيل و أكاذيبهم التي افتجروها على اللّه، و على رسله، و حمله إلى بعض الصحابة و التابعين: كعب الأحبار، و وهب بن منبّه، و أمثالهما.
[١] -. الانفطار ١٠: ٨٢ و ١١.
[٢] -. يونس ٦١: ١٠.
[٣] -. الرعد ٣٣: ١٣.
[٤] -. الإسراء ٣٢: ١٧.
[٥] -. تفسير الطبريّ، ج ١٢، ص ١٠٨- ١١٤؛ الدرّ المنثور، ج ٤، ص ١٣ و ١٤؛ تفسير ابن كثير، ج ٢، ص ٤٧٤ و ٤٧٥؛ تفسير البغويّ، ج ٢، ص ٤٨٤- ٤٨٦.