التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - ١٢ الإسرائيليات في قوله تعالى «و لقد همت به و هم بها لو لا أن رأى برهان ربه»
الهمّ: «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ»[١]، فهل يستحقّ هذا الثناء من حلّ التكّة، و خلع السروال، و جلس بين رجليها؟! و لا أدري أ نصدّق اللّه تبارك و تعالى أم نصدّق كذبة بني إسرائيل و مخرفيهم؟!!
بل كيف يتّفق ما روى هو و ما حكاه اللّه عز و جل عن زليخا بطلة المراودة، حيث قالت: «أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ»[٢] و هو اعتراف صريح من البطلة التي أعيتها الحيل عن طريق التزيّن حينا، و التودّد إليه بمعسول القول حينا آخر، و الإرهاب و التخويف حينا ثالثا، فلم تفلح: «لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ»[٣].
و انظر ماذا كان جواب السيّد العفيف، الكريم ابن الكريم: «قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»[٤] و قصده عليه السلام بقوله: «وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ ...»: تبرّؤٌ من الحول و الطول، و أنّ الحول و القوّة إنّما هما من اللّه، و سؤال منه لربّه، و استعانة به على أن يصرف عنه كيدهنّ، و هكذا شأن الأنبياء.
بل قد شهد الشيطان نفسه ليوسف عليه السلام في ضمن قوله، كما حكاه اللّه سبحانه عنه بقوله:
«قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ»[٥]، و يوسف بشهادة الحقّ السالفة من المخلصين.
و كذلك شهد ليوسف شاهد من أهلها[٦]، فقال: «إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَ إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ»[٧]، و قد أسفر التحقيق عن براءة يوسف و إدانة
[١] -. يوسف ٢٤: ١٢. قرئ في السبع بضمّ الميم و فتح اللام، أي الذين اصطفاهم و اختارهم لنبوّته و رسالته، و قرئ بكسر اللام، أي الذين أخلصوا للّه التوحيد و العبادة، و المعنى الثاني لازم للأوّل، فمن اصطفاه اللّه لا بدّ أن يكون مخلصا.
[٢] -. يوسف ٥١: ١٢.
[٣] -. يوسف ٣٢: ١٢.
[٤] -. يوسف ٣٣: ١٢ و ٣٤.
[٥] -. ص ٨٢: ٣٨ و ٨٣.
[٦] -. قيل: كان رجلًا عاقلًا حكيما مجرّبا من خاصّة الملك، و كان من أهلها، و قيل: كان صبيّا في المهد و كان ذلك إرهاصا بين يدي نبوّة يوسف، إكراما له.
[٧] -. يوسف ٢٦: ١٢- ٢٨.