التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٤ - سورة البقرة(٢) آية ٥١
إسرائيل: إذا فرّج اللّه عنكم و أهلك أعداءكم أتيتكم بكتاب من ربّكم يشتمل على أوامره و نواهيه و مواعظه و عبره و أمثاله، فلمّا فرّج اللّه عنهم أمر اللّه- عزّ و جلّ- أن يأتي للميعاد و يصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل، و ظنّ موسى أنّه بعد ذلك يعطيه الكتاب، فصام موسى ثلاثين يوما، فلمّا كان في آخر الأيّام استاك قبل الفطر، فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إليه: يا موسى أ ما علمت أنّ خلوف[١] فم الصائم أطيب عندي من رائحة المسك؟ صم عشرا آخر و لا تستك عند الإفطار، ففعل ذلك موسى عليه السّلام، و كان وعد اللّه أن يعطيه الكتاب بعد أربعين ليلة، فأعطاه إيّاه. فجاء السامريّ، فشبّه على مستضعفي بني إسرائيل و قال: وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة، و هذه عشرون ليلة و عشرون يوما تمّت أربعون، أخطأ موسى ربّه و قد أتاكم ربّكم أراد أن يريكم أنّه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، و أنّه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه، فأظهر لهم العجل الذي كان عمله، فقالوا له: كيف يكون العجل إلها؟ قال لهم: إنّما هذا العجل مكلّمكم منه ربّكم كما كلّم موسى من الشجرة، فالإله في العجل كما كان في الشجرة، فضلّوا بذلك و أضلّوا.
فقال موسى عليه السّلام: يا أيّها العجل أ كان فيك ربّنا كما يزعم هؤلاء؟ فنطق العجل و قال: عزّ ربّنا عن أن يكون العجل حاويا له أو شيء من الشجر و الأمكنة عليه مشتملا و لا له حاويا لا و اللّه يا موسى، و لكن السامريّ نصب عجلا مؤخّره إلى الحائط و حفر في الجانب الآخر في الأرض و أجلس فيه بعض مردته، فهو الذي وضع فاه على دبره و تكلّم لمّا قال: هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى[٢].[٣].
و هذا الحديث يزيد في غرابته نكارة محتواه: كيف يكون الاستياك- و هو عمل مندوب إليه- مستكرها يوجب عتاب فاعله و استحقاق التشديد عليه بالتكليف.
ثمّ فيه إغراء بالجهلة أن لا يستاكوا عند الإفطار، حيث قوله: «أ ما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب؟!» فقد كان موسى يعلم ذلك لكنّه تناساه!!. اللّهمّ ان هذا إلّا اختلاق!
[٢/ ١٨٣٢] و هكذا ما رواه ابن جرير عن السدّي: لمّا أمر اللّه موسى أن يخرج ببني إسرائيل- يعني من أرض مصر- أمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا و أمرهم أن يستعيروا الحليّ من القبط! فلمّا نجّى اللّه موسى و من معه من بني إسرائيل من البحر، و غرق آل فرعون، أتى جبريل إلى موسى
[١] خلوف فم الصائم: رائحته الكريهة.
[٢] طه ٢٠: ٨٨.
[٣] تفسير الإمام: ٢٤٧- ٢٥٢/ ١٢٢.