التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٤ - قصة الخروج
فانفلق فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ[١] يقول: كالجبل العظيم. فدخلت بنو إسرائيل. و كان في البحر اثنا عشر طريقا، في كلّ طريق سبط، و كانت الطرق انفلقت بجدران، فقال كلّ سبط: قد قتل أصحابنا! فلمّا رأى ذلك موسى، دعا اللّه، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان[٢]. فنظر آخرهم إلى أوّلهم، حتّى خرجوا جميعا. ثمّ دنا فرعون و أصحابه، فلمّا نظر فرعون إلى البحر منفلقا، قال: أ لا ترون البحر فرق منّي قد انفتح لي حتّى أدرك أعدائي فأقتلهم؟ فذلك حين يقول اللّه جلّ ثناؤه:
وَ أَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ[٣] يقول: قرّبنا ثمّ الآخرين؛ يعني آل فرعون. فلمّا قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل على ماذيانة، فشامّ[٤] الحصان ريح الماذيانة، فاقتحم في أثرها، حتّى إذا همّ أوّلهم أن يخرج و دخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم[٥] عليهم[٦].
[٢/ ١٨١٩] و عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: لمّا أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين. فلمّا رآهم أصحاب موسى، قالوا: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ. قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ[٧] فقال موسى للبحر: أ لست تعلم أنّي رسول اللّه؟ قال: بلى.
قال: و تعلم أنّ هؤلاء عباد من عباد اللّه أمرني أن آتي بهم؟ قال: بلى. قال: أتعلم أنّ هذا عدوّ اللّه؟
قال: بلى. قال: فانفرق لي طريقا و لمن معي. قال: يا موسى، إنّما أنا عبد مملوك ليس لي أمر إلّا أن يأمرني اللّه تعالى! فأوحى اللّه- عزّ و جلّ- إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق، و أوحى إلى موسى أن يضرب البحر، و قرأ قول اللّه تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَ لا تَخْشى[٨] و قرأ قوله: وَ اتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً[٩] سهلا ليس فيه تعدّ[١٠]. فانفرق اثنتي عشرة فرقة، فسلك كلّ سبط في طريق. قال: فقالوا لفرعون: إنّهم قد دخلوا البحر. قال: ادخلوا عليهم، قال:
و جبريل في آخر بني إسرائيل يقول لهم: ليلحق آخركم أوّلكم. و في أوّل آل فرعون، يقول لهم:
[١] الشعراء ٢٦: ٦٣.
[٢] الطيقان: جمع طاق، و هو عقد البناء.
[٣] الشعراء ٢٦: ٦٤.
[٤] شامّ: تشمّم.
[٥] التطم عليهم: أطبق عليهم.
[٦] الطبري ١: ٣٩٦- ٣٩٧/ ٧٦٥.
[٧] الشعراء ٢٦: ٦١- ٦٢.
[٨] طه ٢٠: ٧٧.
[٩] الدخان ٤٤: ٢٤.
[١٠] أي إضرار بأحد.