التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٥ - هاروت و ماروت
و أيضا لم يأت الأنبياء ليعلّموا الناس الدسائس و التمويهات و لم يعهد منهم ذلك. فكذلك الملائكة أو من كان على شاكلتهم من ذوي النفوس القدسيّة![١]
و ممّا يبعّد أن يكون هاروت و ماروت ملكين- بالمعنى الحقيقى- أنّ المقابلة و المواجهة مع الملك مستحيل ما دام على صورته الذاتيّة، لأنّه من سنخ لطيف يغاير سنخ البشر الكثيف، الأمر الذي يجعل رؤيته و المفاوضة معه شفاها ممتنعا على البشر، اللّهم إلّا أن يتمثّل الملك بشرا كما تمثّل جبرائيل لمريم بشرا سويّا.[٢]
انظر إلى قوله تعالى: وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ مقترح غريب: أن ينزل ملك فيشاهدوه و يتساءلوه في حين أنّه مستحيل و من ثمّ جاء الردّ عليهم بقوله: وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ[٣]. أي لو جعل الرسول ملكا لجعل الملك متمثّلا في صورة البشر، ليمكّنهم رؤيته و سماع كلامه، و لو جعله ملكا في صورة البشر لوهموه بشرا بذاته، إذ لا يدركون منه سوى صورته و هندامه البشريّ، فيعود المحذور: بم يعرفون أنّه ملك؟!
إنّ البشر في حالتهم العاديّة غير مستعدّين لرؤية الملائكة و الجنّ على حالتهم الأصليّة، إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ[٤] و ذلك لأنّ أبصار البشر لا تدرك كلّ الموجودات، بل إنّما تدرك ما هو من سنخها فتدرك في عالمها هذا بعض الأجسام كالماء و ما هو أكثف منه من الأجرام الملوّنة، دون ما هو ألطف منه كالهواء و ما هو ألطف منه كالعناصر البسيطة التي يتألّف منها الماء و الهواء و الملك و الجنّ من عالم آخر غيبيّ ألطف ممّا ذكر.[٥]
*** و هكذا قوله تعالى: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا. قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا[٦].
أي لو وجد في الأرض ملائكة يمكن الاجتماع بهم، لنزّلنا من السماء رسلا من الملائكة
[١] التفسير الكبير ٣: ٢١٧.
[٢] فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا( مريم ١٩: ١٧).
[٣] الأنعام ٦: ٨- ٩.
[٤] الأعراف ٧: ٢٧.
[٥] راجع: تفسير المنار ٧: ٣١٦.
[٦] الإسراء ١٧: ٩٤- ٩٥.