التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٤ - هاروت و ماروت
قلت: و في القرآن كثير من تعابير جاءت تعبيرا عن معتقد أو مزعومة، حكاية لها لا تسالما لها كما في قوله تعالى- بشأن مدّة لبث أصحاب الكهف-: وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً[١]. فإنّ هذا التعبير عطف على قوله: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ .... و هي قولهم بشأن المدّة، كقولتهم بشأن العدد، حدس محض و من ثمّ جاء ردّهم في كلا الموضعين: قل: اللّه أعلم. و كذا قوله: قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ[٢]. و هكذا ذكر ابن عبّاس و تلامذته. إذن فظاهر التعبير قد يوهم أنّه من كلامه تعالى، في حين أنّه قول الآخرين.[٣]
و عليه فقوله تعالى: وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ عطف على قوله: ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ أي كما أنّ اليهود اتّبعوا- في زعمهم- ما كانت تنفثه الشياطين من دسائس الشرّ على عهد سليمان كذلك اتّبعوا- في زعمهم- ما ألهم[٤] الرجلان الصالحان، المنعوتان بنعوت الروحانيّين، ملائكة اللّه المقرّبين.
فالتعبير بالملكين حكاية عمّا كانت جمهرة الناس تعبّر به، و لو تعبيرا مجازيّا، لموضع حسن ظنّهم بهما.
و قد استغل اليهود هذا النعت الجليل، فراحوا ينسبون تزاويرهم و أساليبهم الماكرة إلى عهد سليمان أوّلا، بزعم أنّه كان عالما بها و رائجا ذلك العهد من غير نكير. و ثانيا، إلى رجلين صالحين عرفا بسمت الملائكة الروحانيّين في الجلال و الوقار. و ذلك تبريرا لموقفهم هذا السّيء البذيء.
و من ثمّ جاء ردّهم بأنّه افتراء على سليمان، كما هو افتراء على هاروت و ماروت. إذ كانا من العلماء الصالحين، و كان تعليمهما للعلوم الدائرة و الغريبة، مشفوعا بالتذكّر و الإرشاد إلى استعمال العلوم في سبيل الأهداف الصالحة دون الأهداف الضالّة الموجبة للكفر و العصيان.
و لأبي مسلم الأصفهاني هنا كلام بديع، ينفي أن يكون النازل على الملكين السحر. نظرا لأنّ السحر في أصله تمويه و تشويه، و انحراف عن جادة الحقّ. فلا يناسب أن يكون نازلا من عنده تعالى أو ممّا ألهمه اللّه على عباده الصلحاء!
[١] الكهف ١٨: ٢٥.
[٢] الكهف ١٨: ١٩.
[٣] راجع التفصيل في كتابنا« التمهيد» ٧: ٤٩٦.
[٤] هكذا جاء في تعبير العلّامة الطباطبائي:« و اتّبعت اليهود ما أنزل بالإخطار و الإلهام على الملكين.»( الميزان ١: ٢٣٨).