التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٨ - هل لغير المؤمن نصيب في الآخرة؟
مضمونه-: إنّ للجنّة بابا يدخل منه الصلحاء من سائر الناس، إذا لم يجابهوا الحقّ و لم يعاندوا أئمّة الدين، في مسيرتهم في الحياة[١].
نعم قد يتوهم التنافي مع آيات خصّت نعيم الآخرة بأهل التقوى و اليقين و أن لا حظّ لمن ابتغى الدنيا و آثرها على الآخرة.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[٢].
وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ[٣].
قال تعالى: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا[٤].
قلت: هذا صحيح، غير أنّ التقوى التي هي شرط التلذّذ بنعيم الآخرة، مراد بها: التعهّد الإنساني النبيل في هذه الحياة .. فمن سار على منهج الإنسانيّة و التزم بما فرضت عليه من تعهّدات تجاه بني جلدته و وفّى حقوقهم و لم يحد عن جادّة الصواب التي يرشد إليها العقل الرشيد. و التي توارثها بنو الإنسان منذ عهدهم بالنبوّات و الشرائع الإلهية طول التاريخ، فالملتزم بها ملتزم بمكارم الأخلاق و متعهّد بتعاليم السماء .. و كان ممّن دعى إلى الفضيلة و قد أحسن عملا.
نعم من كان باع حظّه بالثمن الأبخس و عاكس طريق الهدى فهذا ممّن آثر الحياة الدنيا و ما له في الآخرة من خلاق.
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ[٥].
تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[٦].
[١] روى الصدوق في باب الثمانية من كتابه الخصال: أنّ عليّا عليه السّلام قال:« إنّ للجنّة ثمانية أبواب: باب يدخل منه النبيّون و الصدّيقون. و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون. و خمسة أبواب يدخل منها الموالون العارفون. و الباب الثامن يدخل منه سائر المسلمين ممّن شهد بالتوحيد و لم يبغض أولياء اللّه الأطيبين». و منه يظهر شموله لسائر الناس من أصحاب الملل و النحل ممّن شهد بالوحدانيّة- التي هي فطرة الناس جميعا- و لم يقم في وجه أئمّة الدين بالمجاحدة و المنابذة الرذيلة. راجع: الخصال ٦: ٤٠٨، أبواب الثمانية و البحار ٨: ٣٩/ ١٩. و ١٢١/ ١٢، و ٦٩: ١٥٩/ ٥.
[٢] البقرة ٢: ٢٠٠.
[٣] البقرة ٢: ١٠٢.
[٤] مريم ١٩: ٦٣.
[٥] آل عمران ٣: ٧٧.
[٦] القصص ٢٨: ٨٣.