التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٨ - سورة البقرة(٢) آية ٦١
لجمعوه على فعلاء، فقيل لهم النبآء، على مثال النبغاء، لأنّ ذلك جمع ما كان على فعيل من غير ذوات الياء و الواو من النعوت كجمعهم الشريك شركاء، و العليم علماء، و الحكيم حكماء، و ما أشبه ذلك. و قد حكي سماعا من العرب في جمع النبي النبآء، و ذلك من لغة الّذين يهمزون النبىء، ثمّ يجمعونه على النبآء على ما قد بيّنت، و من ذلك قول عبّاس بن مرداس في مدح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
|
يا خاتم النّبآء إنّك مرسل |
بالخير، كلّ هدى السبيل هداكا |
|
فقال: يا خاتم النّبآء على أنّ واحدهم نبىء مهموز.
و قد قال بعضهم: النبيّ و النبوّة غير مهموز، لأنّهما مأخوذان من النّبوة، و هي مثل النجوة و هو المكان المرتفع. و كان يقول: إنّ أصل النبي الطريق، و يستشهد على ذلك ببيت القطامي:
|
لمّا وردن نبيّا و استتبّ بها |
مسحنفر كخطوط السّيح منسحل[١] |
|
يقول: إنّما سمّي الطريق نبيّا، لأنّه ظاهر مستبين من النبوة. و يقول: لم أسمع أحدا يهمز النبيّ.
قال: و قد ذكرنا ما في ذلك و بيّنّا ما فيه الكفاية إن شاء اللّه.
و يعني بقوله: وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ: أنّهم كانوا يقتلون رسل اللّه بغير إذن اللّه لهم بقتلهم منكرين رسالتهم جاحدين نبوّتهم.
و قال في تأويل قوله تعالى: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ:
قوله: ذلِكَ ردّ على «ذلك» الأولى. و معنى الكلام: و ضربت عليهم الذلّة و المسكنة و باءوا بغضب من اللّه، من أجل كفرهم بآيات اللّه. و قتلهم النبيّين بغير الحقّ، من أجل عصيانهم ربّهم و اعتدائهم حدوده؛ فقال جلّ ثناؤه: ذلِكَ بِما عَصَوْا و المعنى: ذلك بعصيانهم و كفرهم معتدين.
و الاعتداء: تجاوز الحدّ الذي حدّه اللّه لعباده إلى غيره، و كلّ متجاوز حدّ شيء إلى غيره فقد تعدّاه
[١] رواية هذا البيت في معجم البلدان لياقوت( ٥: ٢٥٩):« و استتب بنا ... الشيخ». قال: و في كتاب نصر: النبيّ: ماء بالجزيرة من ديار تغلب و النمر بن قاسط ... قال: و النبيّ أيضا موضع من وادي ظبي على القبلة منه إلى الهيل. و استتبّ الأمر و الطريق: استوى و استقام و تبيّن و اطّرد و امتدّ. و مسحنفر: صفة للطريق أي واسع ممتدّ. و السيح: ضرب من البرود أو العباء مخطّط، يلبس أو يستتر به و يفرش. و سحلت الريح الأرض فانسحلت: كشطت ما عليها. و أمّا الشيح فهو نبات أنواعه كثيرة كلّه طيّب الرائحة و الواحدة شيحة.