التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٤ - تحقيق لطيف
المخلوقين حقوقهم حتّى تلقى اللّه أملس (نقيّا صافيا) ليس عليك تبعة. و الرابع: أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها.
و الخامس: أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان، حتّى يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد. و السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة، كما أذقته حلاوة المعصية»[١].
فعند ذلك يصحّ الاستغفار، و تكون التوبة توبة نصوح.
هذه البنود و لا سيّما الخامس و السادس، هي مجاهدة النفس و قتلها في سبيل هواها، لتخلص صافية ضاحية و مستبشرة عند اللّه.
[٢/ ١٩٣٨] قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «من تاب و لم يغيّر خلقه و نيّته فليس بتائب»[٢]. و الروايات بهذا الشأن كثيرة تؤكّد على مقابلة النفس فيما اشتهته من معاصي و آثام.
هذا فضلا عن دلالة سياق الآية على أنّ المراد هي مجاهدة النفس و مقابلتها مقابلة عنيفة، لكسر شوكتها و كبح غرورها، فلا تجرأ على معصية اللّه أبدا.
فقد جاء في آية سابقة عليها: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ[٣].
ثمّ كرّر ذلك و قال: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ[٤].
فالعفو في الآية السابقة هو العفو في هذه الآية، لكن مع تفصيل لقبول التوبة: أوّلا: الأوبة إلى اللّه بالتضرّع لديه و الاستغفار.
ثانيا: بمقابلة النفس بالأخذ بنقيض مطلوبها ... فقد كانوا أطلقوا سراحها من قبل- و كان ذلك في الواقع ظلما لها- فالآن فيجب أن تقابل بالمثل و أن تكبح جموحها.
و التعبير بإماتة النفس كثير في آثار المعصومين عليهم السّلام.
[١] نهج البلاغة ٤: ٩٨، الحكمة ٤١٧.
[٢] جامع الأخبار، السبزواري: ٢٢٧؛ البحار ٦: ٣٦/ ٥٢.
[٣] البقرة ٢: ٥١- ٥٢.
[٤] البقرة ٢: ٥٤.