التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٨ - قصة الخروج
إيّاه من مصيره ركاما فلقا[١] كهيئة الأطواد الشامخة غير زائل عن حدّه، انقيادا لأمر اللّه و إذعانا لطاعته، و هو سائل ذائب قبل ذلك؛ يوقفهم بذلك- جلّ ذكره- على موضع حججه عليهم، و يذكّرهم آلاءه عند أوائلهم، و يحذّرهم في تكذيبهم نبيّنا محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يحلّ بهم ما حلّ بفرعون و آله في تكذيبهم موسى صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال: و قد زعم بعض أهل العربيّة (يعني به الفرّاء) أنّ معنى قوله: وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ كمعنى قول القائل: «ضربت و أهلك ينظرون، فما أتوك و لا أعانوك» بمعنى: و هم قريب بمرأى و مسمع، و كقول اللّه تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ[٢] و ليس هناك رؤية، إنّما هو علم.
قال: و الذي دعاه إلى هذا التأويل أنّه وجّه قوله: وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: أي و أنتم تنظرون إلى غرق فرعون. فقال: قد كانوا في شغل من أن ينظروا، ممّا اكتنفهم من البحر، إلى فرعون و غرقه.
و ليس التأويل الذي تأوّله تأويل الكلام، إنّما التأويل: و أنتم تنظرون إلى فرق اللّه البحر لكم على ما قد وصفنا آنفا، و التطام أمواج البحر بآل فرعون في الموضع الذي صيّر لكم في البحر طريقا يبسا، و ذلك كان- لا شكّ- نظر عيان لا نظر علم كما ظنّه قائل هذا القول الذي حكينا قوله[٣].
و ذكر الشيخ وجها آخر- عن الزجّاج- قال: معناه: و أنتم بإزائهم. كما يقول القائل: دور آل فلان تنظر إلى دور آل فلان، أي هي بإزائها، لأنّها لا تبصر. قال الطبرسي: أي هي بإزائها و بحيث لو كان مكانها ما ينظر، لأمكنه النظر إليها. قال: و هو قول الزجّاج[٤].
[٢/ ١٨٢٢] و أخرج ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عبّاس قال: فلمّا جاوز أصحاب موسى عليه السّلام البحر، قالوا: إنّا نخاف أن لا يكون فرعون غرق، و لا نؤمن بهلاكه، فدعا ربّه تبارك و تعالى فأخرجه لهم ببدنه حتّى يستيقنوا[٥].
[١] الركام: المجتمع بعضه فوق بعض. و الفلق جمع فلقة، و هي الشقّ.
[٢] الفرقان ٢٥: ٤٥.
[٣] الطبري ١: ١١٤.
[٤] مجمع البيان ١: ١٠٧؛ التبيان ١: ٢٣٠.
[٥] ابن أبي حاتم ١: ١٠٧/ ٥١٠.