التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٠ - ١ - نسخ الحكم و التلاوة معا
كتاب اللّه و رعيناها. و قال أبيّ بن كعب: إنّ سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة أو أطول منها!!
قال: و الشافعي، لا يظنّ به موافقة هؤلاء في هذا القول، و لكنّه استدلّ بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات[١]؛ فإنّه صحّح ما يروى عن عائشة و أنّ ممّا أنزل في القرآن «عشر رضعات معلومات يحرّمن» فنسخن بخمس رضعات معلومات، و كان ذلك ممّا يتلى في القرآن بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
قال: و الدليل على بطلان هذا القول قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ. و معلوم أنّه ليس المراد الحفظ لديه تعالى، فإنّه يتعالى من أن يوصف بالغفلة أو النسيان، فعرفنا أنّ المراد الحفظ لدينا ... و قد ثبت أنّه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
و لو جوّزنا هذا في بعض ما أوحي إليه لوجب القول بتجويز ذلك في جميعه، فيؤدّي ذلك إلى القول بأن لا يبقى شيء ممّا ثبت بالوحي بين الناس، في حال بقاء التكليف! و أيّ شيء أقبح من هذا؟! و من فتح هذا الباب لم يأمن أن يكون بعض ما بأيدينا اليوم أو كلّه مخالف لشريعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأن نسخ اللّه ذلك بعده، و ألّف بين قلوب الناس، على أن ألهمهم ما هو خلاف شريعته! فلصيانة الدين إلى آخر الدهر، أخبر اللّه تعالى أنّه هو الحافظ لما أنزله على رسوله. و به يتبيّن أنّه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته. و ما ينقل من أخبار الآحاد شاذّ لا يكاد يصحّ شيء منها.
قال: و حديث عائشة لا يكاد يصحّ، لأنّه (أي الراوي) قال في ذلك الحديث: و كانت الصحيفة تحت السرير، فاشتغلنا بدفن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فدخل داجن البيت فأكله! و معلوم أنّ بهذا لا ينعدم حفظه من القلوب، و لا يتعذّر عليهم إثباته في صحيفة أخرى! فعرفنا أنّه لا أصل لهذا الحديث.[٢]
قلت: في كلام هذا المحقّق كفاية في إبطال هذا الزعم، و أن لا حجّية في خبر واحد في هذا الشأن، و لا سيّما جانب مساسه بكرامة القرآن، و استلزام التلاعب بآية الكريمة، بعد وفاته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
الأمر الذي تبطله آية الحفظ و ضمانه تعالى في حفظ كتابه من التحريف و الزيادة و النقص، لأنّه كلامه المجيد، يجب أن يبقى معجزه خالدة ترافق الإسلام عبر الأبد.
قال الجزيرى- ردّا على الزعم المذكور-: إنّ المسلمين قد أجمعوا على أنّ القرآن هو ما تواتر
[١] و هكذا استدلّ أبو محمّد بن حزم بذلك في المحلّى ١٠: ١٥.
[٢] أصول السرخسي ٢: ٧٨- ٨٠.