التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٧ - سورة البقرة(٢) آية ١٠٤
التوبة إلى متى تقبل؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا أخا العرب إنّ بابها مفتوح لابن آدم لا يسدّ حتّى تطلع الشمس من مغربها، و ذلك قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ و هو طلوع الشمس من مغربها لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً[١].
ثمّ قال الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام: و كانت هذه اللفظة: «راعنا» من ألفاظ المسلمين الّذين يخاطبون بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقولون: راعنا، أي ارع أحوالنا، و اسمع منّا كما نسمع منك. و كان في لغة اليهود. معناها: اسمع، لا سمعت. فلمّا سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يقولون: راعنا و يخاطبون بها، قالوا: إنّ كنّا نشتم محمّدا إلى الآن سرّا، فتعالوا الآن نشتمه جهرا! و كانوا يخاطبونه و يقولون: راعنا، و يريدون شتمه. ففطن لهم سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا أعداء اللّه، عليكم لعنة اللّه، أراكم تريدون سبّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و توهمونا أنّكم تجرون في مخاطبته مجرانا، و اللّه لا سمعتها من أحد منكم إلّا ضربت عنقه، و لو لا أنّي أكره أقدم عليكم قبل التقدّم و الاستيذان له لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا. فأنزل اللّه: يا محمّد مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ إلى قوله فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا[٢]. و أنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا يعني فإنّها لفظة يتوصّل بها أعداؤكم من اليهود إلى شتم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شتمكم. وَ قُولُوا انْظُرْنا، أي قولوا بهذه اللفظة، لا بلفظة راعنا، فإنّه ليس فيها ما في قولكم: راعنا، و لا يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى الشتم كما يمكنهم بقولهم راعنا وَ اسْمَعُوا إذا قال لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قولا و أطيعوا. وَ لِلْكافِرِينَ يعني اليهود الشاتمين لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عَذابٌ أَلِيمٌ وجيع في الدنيا إن عادوا بشتمهم، و في الآخرة بالخلود في النار.»[٣]
[١] الأنعام: ٦: ١٥٨.
[٢] النساء: ٤: ٤٦.
[٣] تفسير الإمام عليه السّلام: ٤٧٧- ٤٧٩/ ٣٠٥؛ البرهان ١: ٢٩٩- ٣٠٠/ ١؛ البحار ٩: ٣٣١- ٣٣٢/ ١٨، باب ٢.