التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٧٨ - سورة البقرة(٢) آية ١٠٤
قال أبو جعفر الطبري: و الصواب من القول في نهي اللّه المؤمنين أن يقولوا «راعنا» إنّها كلمة كرهها اللّه أن يخاطب بها النبيّ نظير ما روي عنه أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نهى أن يقال للعنب: الكرم، بل يقال: الحبلة و نهى أن يقال: عبدي، بل يقال: فتاي و ما أشبه ذلك من لفظتين بمعنى واحد، إحداهما مستحسنة و الأخرى مستكرهة، فينبغي اختيار المستحسن على المستكره.
و هكذا لفظة «راعنا» تحتمل معنى: احفظنا و ارقبنا و معنى: أرعنا سمعك. من قولهم: أرعيت سمعى إرعاء، و راعيته سمعي مراعاة، بمعنى: فرّغته لسماع كلامه، كما قال الأعشى:
|
يرعى إلى قول سادات الرجال إذا |
أبدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا |
|
يعني بقوله يرعي: يصغي بسمعه إليه، مفرّغة لذلك.
و كان اللّه قد أمر المؤمنين بتوقير النبيّ و تعظيمه، حتّى نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته و أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض و حذّرهم عن حبط أعمالهم على ذلك فتقدّم إليهم بالزجر لهم عن أن يقولوا من القول ما فيه جفاء، و أمرهم أن يختاروا لخطابه من الألفاظ أحسنها و من المعاني أرقّها فكان من ذلك قولهم: راعنا، لما فيه من احتمال معنى: ارعنا نرعاك؛ إذ كانت المفاعلة من الطرفين، كما يقول القائل: عاطنا و حادثنا و جالسنا، بمعنى: افعل بنا نفعل بك. و الاحتمال الآخر:
معنى: أرعنا سمعك حتّى نفهمك، و تفهم عنّا فنهى اللّه أصحاب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن يقولوا ذلك كذلك، و أن يفردوا مسألته بانتظارهم و إمهالهم ليعقلوا عنه، و هذا تبجيل منهم له و تعظيم، فلا يسألوه على وجه الجفاء و التجهّم منهم له[١] و لا بالغظاظة و الغلظة كما تفعله اليهود في خطابهم مع الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بقولهم: اسمع غير مسمع و راعنا- ليّا بألسنتهم و طعنا في الدين.
قال: و أمّا الذي حكي عن مجاهد في قوله: راعنا، أنّه بمعنى: خلافا[٢]، فممّا لا يعقل في كلام العرب، لأنّ «راعيت» في كلام العرب على أحد وجهين: فاعلت من الرعية و هي الرقبة و الكلاءة.
و الآخر، بمعنى إفراغ السمع بمعنى: أرعيته سمعي و أمّا راعيت بمعنى خالفت، فلا وجه له مفهوم في كلام العرب. إلّا أن يكون قرأ ذلك بالتنوين «راعنا» على معنى الرعونة و الجهل و الخطا، كما ذكره
[١] يقال: تجهّم له أي قابله بوجه عبوس كريه.
[٢] تقدّم الحديث عنه.