التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٠ - سورة البقرة(٢) آية ١٠٢
فأخبروهم أنّ هذا علم كان يكتمه سليمان و يستأثر به. فعذر اللّه نبيّه سليمان و برّأه من ذلك، فقال جلّ ثناؤه: وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا.[١]
[٢/ ٢٨٤٤] و أخرج ابن جرير عن أسباط عن السدّي قال: كانت الشياطين تصعد إلى السماء، فتقعد منها مقاعد للسمع، فيستمعون من كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيث أو أمر، فيأتون الكهنة فيخبرونهم، فتحدّث الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، حتّى إذا أمنتهم الكهنة كذبوا لهم، فأدخلوا فيه غيره فزادوا مع كلّ كلمة سبعين كلمة. فاكتتب الناس ذلك الحديث في الكتب و فشا في بني إسرائيل أنّ الجنّ تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس، فجمع تلك الكتب فجعلها في صندوق، ثمّ دفنها تحت كرسيّه، و لم يكن أحد من الشياطين يستطيع أن يدنو من الكرسيّ إلّا احترق، و قال: «لا أسمع أحدا يذكر أنّ الشياطين تعلم الغيب إلّا ضربت عنقه». فلمّا مات سليمان، و ذهبت العلماء الّذين كانوا يعرفون أمر سليمان، و خلف من بعدهم خلف، تمثّل الشيطان في صورة إنسان، ثمّ أتى نفرا من بني إسرائيل، فقال: هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا؟
قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسيّ! و ذهب معهم فأراهم المكان. فقام ناحية، فقالوا له: فادن! قال: لا و لكنّي هاهنا في أيديكم، فإن لم تجدوه فاقتلوني. فحفروا فوجدوا تلك الكتب، فلمّا أخرجوها قال الشيطان: إنّ سليمان إنّما كان يضبط الإنس و الشياطين و الطير بهذا السحر. ثمّ طار فذهب. و فشا في الناس أنّ سليمان كان ساحرا و اتّخذت بنو إسرائيل تلك الكتب. فلمّا جاءهم محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاصموه بها، فذلك حين يقول: وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ.[٢]
[٢/ ٢٨٤٥] و قال مقاتل بن سليمان: وَ اتَّبَعُوا يعني اليهود ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ يعني ما تلت الشياطين على عهد سليمان و في سلطانه. و ذلك أنّ طائفة من الشياطين كتبوا كتابا فيه سحر فدفنوه في مصلّى سليمان حين خرج من ملكه و وضعوه تحت كرسيّه، فلمّا توفّي سليمان
[١] الطبري ١: ٦٣١/ ١٣٨٣؛ ابن أبي حاتم ١: ١٨٧/ ٩٩٢، إلى قوله: و علّموهم إيّاه.
[٢] الطبري ١: ٦٢٣- ٦٢٤/ ١٣٦٦؛ الثعلبي ١: ٢٤٤؛ ابن أبي حاتم ١: ١٨٦/ ٩٨٧؛ البغوي ١: ١٤٧- ١٤٨؛ ابن كثير ١:
١٣٩- ١٤٠؛ أبو الفتوح ٢: ٧٤- ٧٥.