التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٢ - سورة البقرة(٢) آية ٩٥
و أمّا قوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فإنّ تأويله: تشهّوه و أريدوه. و قد روي عن ابن عبّاس أنّه قال في تأويله: «فسلوا الموت» و لا يعرف التمنّي بمعنى المسألة في كلام العرب، و لكن أحسب أنّ ابن عبّاس وجّه معنى الأمنيّة إذ كانت محبّة النفس و شهوتها إلى معنى الرغبة و المسألة، إذ كانت المسألة هي رغبة السائل إلى اللّه فيما سأله.
[٢/ ٢٧٤٣] و روى أبو روق، عن الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ قال: فسلوا الموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
*** قال أبو جعفر: و أمّا قوله تعالى وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، فهو خبر من اللّه- جلّ ثناؤه- عن اليهود و كراهتهم الموت و امتناعهم عن الإجابة إلى ما دعوا إليه من تمنّي الموت، لعلمهم بأنّهم إن فعلوا ذلك فالوعيد بهم نازل و الموت بهم حالّ، و لمعرفتهم بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه رسول من اللّه إليهم مرسل و هم به مكذّبون، و أنّه لم يخبرهم خبرا إلّا كان حقّا كما أخبر، فهم يحذرون أن يتمنّوا الموت خوفا أن يحلّ بهم عقاب اللّه بما كسبت أيديهم من الذنوب.
[٢/ ٢٧٤٤] فعن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عبّاس في قوله: قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ الآية قال: أي ادعوا بالموت على أيّ الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. يقول اللّه لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي لعلمهم بما عندهم من العلم بك و الكفر بذلك.
[٢/ ٢٧٤٥] و عن أبي روق، عن الضحّاك عن ابن عبّاس في قوله: وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً يقول: يا محمّد و لن يتمنّوه أبدا لأنّهم يعلمون أنّهم كاذبون، و لو كانوا صادقين لتمنّوه و رغبوا في التعجيل إلى كرامتي، فليس يتمنّونه أبدا بما قدّمت أيديهم.
[٢/ ٢٧٤٦] و عن ابن جريج قال: و كانت اليهود أشدّ فرارا من الموت، و لم يكونوا ليتمنّوه أبدا.
و أمّا قوله: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فإنّه يعني به بما أسلفته أيديهم. و إنّما ذلك مثل على نحو ما تتمثّل به العرب في كلامها، فتقول للرجل- يؤخذ بجريرة جرّها أو جناية جناها فيعاقب عليها-:
نالك هذا بما جنت يداك، و بما كسبت يداك، و بما قدّمت يداك؛ فتضيف ذلك إلى اليد، و لعلّ الجناية التي جناها فاستحقّ عليها العقوبة كانت باللسان أو بالفرج أو بغير ذلك من أعضاء جسده سوى اليد. و إنّما قيل ذلك بإضافته إلى اليد؛ لأنّ عظم جنايات الناس بأيديهم، فجرى الكلام باستعمال