التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٩ - سورة البقرة(٢) آية ٩٠
جعلوهما جميعا في معنى باعوا. و كذلك البيع، يقال: بعت الثوب، على معنى أخرجته من يدي.
و بعته: اشتريته. و هذه اللغة في تميم و ربيعة. قال: سمعت أبا ثروان يقول لرجل: بع لي تمرا بدرهم، يريد: اشتر لي. و أنشدني بعض ربيعة:
|
و يأتيك بالأخبار من لم تبع له |
بتاتا و لم تضرب له وقت موعد |
|
على معنى: لم تشتر له بتاتا. قال الفرّاء: و البتات: الزاد.[١]
*** قلت: القرآن لا يتعدّى اللغة الفصحى و إنّما يتّبع من الأساليب ما هو أفشى و أفصح، و لا يستعمل النادر فضلا عن الشاذّ و قد عرفت من كلام الطبري: أنّ المستفيض من كلام العرب أن يقولوا: شريت بمعنى بعت و اشتريت بمعنى ابتعت إذن فلا معدل عنه بعد إمكان حمل الآية عليه حيث الاشتراء هنا- كالاشتراء في قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى[٢]- بمعنى الابتياع.
فقوله تعالى- هنا-: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مجاز أطلق فيه الاشتراء على استبقاء الشيء المرغوب فيه، تشبيها لاستبقائه بابتياع شيء نفيس مرغوب فيه[٣] فهم قد أثروا أنفسهم فأبقوا عليها، إزاء كفرهم باللّه العظيم و رفضهم لشريعة سيّد المرسلين.
و ذلك حسب زعمهم أن لو صدّقوا بنبوّة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لضاعت أنفسهم و ذهبت آمالهم أدراج الرياح و من ثمّ و احتفاظا على مطامعهم المهدّدة صمدوا تجاه الحقّ و أصرّوا على كتمانه. و بذلك كانوا قد آثروا أنفسهم و امتلكوها دون أن يخسروها، لو آمنوا بالإسلام.[٤]
قوله تعالى: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ
[٢/ ٢٧٠٤] أخرج ابن أبي حاتم بإسناده عن سعيد بن جبير في قول اللّه: فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ يقول: استوجبوا سخطا على سخط.[٥]
[١] معاني القرآن ١: ٥٦.
[٢] البقرة ٢: ١٦.
[٣] التحرير و التنوير لابن عاشور ١: ٥٨٦.
[٤] و كلّ ما جاء في القرآن بلفظ« اشترى» فهو بمعنى ابتاع، و« شرى» بمعنى باع. وفق الدارج في اللغة.
[٥] ابن أبي حاتم ١: ١٧٣/ ٩١٣- ٩١٦.