التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٨ - سورة البقرة(٢) آية ٩٠
حكمته و آياته و نبوّته- على من يشاء من عباده- يعني به محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم- بغيا و حسدا لمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، من أجل[١] أنّه كان من ولد إسماعيل، و لم يكن من بني إسرائيل!
فإن قال قائل: و كيف ابتاعت اليهود أنفسها بالكفر فقيل: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ؟ و هل يشترى بالكفر شيء؟ قيل: إنّ معنى الشراء و البيع عند العرب: هو إزالة مالك ملكه إلى غيره بعوض يعتاضه منه، ثمّ تستعمل العرب ذلك في كلّ معتاض من عمله عوضا شرّا أو خيرا، فتقول: نعم ما باع به فلان نفسه، و بئس ما باع به فلان نفسه، بمعنى: نعم الكسب أكسبها و بئس الكسب أكسبها إذا أورثها بسعيه عليها خيرا أو شرّا. فكذلك معنى قوله جلّ ثناؤه: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لمّا أوبقوا أنفسهم بكفرهم بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأهلكوها، خاطبهم اللّه و العرب بالذي يعرفونه في كلامهم فقال: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يعني بذلك: بئس ما أكسبوا أنفسهم بسعيهم، و بئس العوض اعتاضوا من كفرهم باللّه في تكذيبهم محمّدا، إذ كانوا قد رضوا عوضا من ثواب اللّه و ما أعدّ لهم- لو كانوا آمنوا باللّه و ما أنزل على أنبيائه- بالنار، و ما أعدّ لهم بكفرهم بذلك.
و هذه الآية و ما أخبر اللّه فيها من حسد اليهود محمّدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و قومه من العرب، من أجل أنّ اللّه جعل النبوّة و الحكمة فيهم دون اليهود من بني إسرائيل، حتّى دعاهم ذلك إلى الكفر به مع علمهم بصدقه، و أنّه نبيّ اللّه مبعوث و رسول مرسل؛ نظيرة[٢] الآية الأخرى في سورة النساء، و ذلك قوله:
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا. أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً. أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً. أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً[٣].[٤]
*** و قال الفرّاء في قوله تعالى: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ...: معناه- و اللّه أعلم-: باعوا به أنفسهم.
و للعرب في شروا و اشتروا مذهبان، فالأكثر منهما أن يكون شروا: باعوا، و اشتروا: ابتاعوا. و ربما
[١] تعليل للحسد، أي إنّهم حسدوا محمّدا من أجل أنّه كان من العرب ..
[٢] قوله:« نظيرة» خبر قوله قبل أسطر:« و هذه الآية».
[٣] النساء ٤: ٥١- ٥٤.
[٤] الطبري ١: ٥٨١- ٥٨٥.