التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٧ - سورة البقرة(٢) آية ٩٠
جرّ[١]. و كان بعض أهل العربيّة من الكوفيّين يزعم أنّ «أن» في موضع خفض بنيّة الباء. و إنّما اخترنا فيها النصب لتمام الخبر قبلها، و لا خافض معها يخفضها، و الحرف الخافض لا يخفض مضمرا.
و أما قوله: اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ فإنّه يعني به باعوا أنفسهم. كما:
[٢/ ٢٧٠٢] حدّثني موسى بن هارون بالإسناد عن السدّي في قوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يقول: باعوا أنفسهم أن يكفروا بما أنزل اللّه بغيا.
[٢/ ٢٧٠٣] و عن ابن جريج، قال: قال مجاهد في قوله: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ يهود شروا الحقّ بالباطل و كتمان ما جاء به محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بأن يبيّنوه.
و العرب تقول: شريته بمعنى بعته، و اشتروا في هذا الموضع «افتعلوا» من شريت. و كلام العرب فيما بلغنا أن يقولوا: شريت بمعنى بعت، و اشتريت بمعنى ابتعت. و قيل إنّما سمّي الشاري[٢] شاريا لأنّه باع نفسه و دنياه بآخرته. و من ذلك قول يزيد بن مفرّغ الحميري:
|
و شريت بردا ليتني |
من قبل برد كنت هامة[٣] |
|
و منه قول المسيّب بن علس[٤]:
|
يعطى بها ثمنا فيمنعها |
و يقول صاحبها أ لا تشري |
|
يعني به: بعت بردا. و ربما استعمل «اشتريت» بمعنى «بعت»، و «شريت» في معنى «ابتعت»، و الكلام المستفيض فيهم هو ما وصفت.
قال أبو جعفر: فمعنى الآية: بئس الشيء [الذي] باعوا به أنفسهم الكفر بما أنزل اللّه في كتابه على موسى من نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأمر بتصديقه و اتّباعه، من أجل[٥] أن أنزل اللّه من فضله- و فضله
[١] أي و يجوز أن تجعل أن في موضع جرّ. و يكون الواو هنا بمعنى أو.
[٢] الشاري هنا واحد الشراة؛ و هم الخوارج. قيل سمّوا بذلك لقولهم: إنّا شرينا أنفسنا في طاعة اللّه حين فارقنا الأئمّة الجائرة.
[٣] قوله:« كنت هامة» أي هالكا. يقال: فلان هامة اليوم أو غد، أي قريب هلاكه، فإذا هو هامة. و كانت الجاهلية تزعم أنّ روح الميت تصير هامة« و هو طائر كالبومة» فتطير.
[٤] هو من شعراء بكر بن وائل المعدودين خال الأعشى.( الشعر و الشعراء لابن قتيبة: ٩٥).
[٥] تعليل للكفر، أي إنّهم كفروا من أجل.