التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨٦ - سورة البقرة(٢) آية ٩٠
فَنِعِمَّا هِيَ[١] و «بئسما أنت» و استشهد لقوله ذلك برجز بعض الرّجّاز:
|
لا تعجلا في السّير و ادلواها |
لبئسما بطء و لا نرعاها[٢] |
|
قال أبو جعفر: و العرب تقول: لبئسما تزويج و لا مهر، فيجعلون «ما» وحدها اسما بغير صلة.
و قائل هذه المقالة لا يجيز أن يكون الذي يلي «بئس» معرفة موقّتة و خبره معرفة موقّتة[٣]. و قد زعم أنّ «بئسما» بمنزلة: بئس الشيء اشتروا به أنفسهم، فقد صارت «ما» بصلتها اسما موقتا؛ لأنّ «اشتروا» فعل ماض من صلة «ما» في قول قائل هذه المقالة، و إذا وصلت بماض من الفعل كانت معرفة موقتة معلومة؛ فيصير تأويل الكلام حينئذ: «بئس شراؤهم كفرهم»، و ذلك عنده غير جائز، فقد تبيّن فساد هذا القول.
و كان آخر منهم يزعم أنّ «أن» في موضع خفض إن شئت، و رفع إن شئت، فأمّا الخفض فأن تردّه على الهاء التي في «به» على التكرير على كلامين، كأنّك قلت: اشتروا أنفسهم بالكفر. و أمّا الرفع فأن يكون مكرّرا على موضع «ما» التي تلي «بئس». قال: و لا يجوز أن يكون رفعا على قولك: بئس الرجل عبد اللّه.
و قال بعضهم: «بئسما» شيء واحد يرفع[٤] ما بعده كما حكي عن العرب: «بئسما تزويج و لا مهر» فرافع تزويج «بئسما»، كما يقال: «بئسما زيد، و بئسما عمرو»، فيكون «بئسما» رفعا بما عاد عليها من الهاء، كأنّك قلت: بئس شيء الشيء اشتروا به أنفسهم، و تكون «أن» مترجمة[٥] عن «بئسما».
و أولى هذه الأقوال بالصواب قول من جعل «بئسما» مرفوعا بالراجع من الهاء في قوله:
اشْتَرَوْا بِهِ كما رفعوا ذلك بعبد اللّه، إذ قالوا: بئسما عبد اللّه، و جعل «أن يكفروا» مترجمة عن «بئسما»، فيكون معنى الكلام حينئذ: بئس الشيء [الّذي] باع اليهود به أنفسهم، كفرهم بما أنزل اللّه بغيا و حسدا أن ينزل اللّه من فضله. و تكون «أن» التي في قوله: «أن ينزل اللّه» في موضع نصب؛ لأنّه يعني به أن يكفروا بما أنزل اللّه من أجل أن ينزل اللّه من فضله على من يشاء من عباده. و موضع أن
[١] البقرة ٢: ٢٧١.
[٢] ادلواها: يقال: دلوت الناقة، إذا سقتها سوقا رفيقا.
[٣] المعرفة الموقّتة: المعرفة المحدّدة.
[٤] كانت في الأصل:« يعرف». و الصواب ما أثبتناه.
[٥] الترجمة هي عطف البيان و البدل.