التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٧ - سورة البقرة(٢) آية ٧٥
حتّى عقلوا ما سمعوا، ثمّ انصرف بهم إلى بني إسرائيل، فلمّا جاءوهم حرّف فريق منهم ما أمرهم به، و قالوا حين قال موسى لبني إسرائيل: إنّ اللّه قد أمركم بكذا و كذا، قال ذلك الفريق الذي ذكرهم اللّه:
إنّما قال كذا و كذا خلافا لما قال اللّه- عزّ و جلّ- لهم. فهم الّذين عنى اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم[١].
*** و لكن قال أبو عبد اللّه القرطبي: هذا قول الربيع و ابن إسحاق، و في هذا القول ضعف. و من قال:
إنّ السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ و أذهب بفضيلة موسى و اختصاصه بالتكليم. و قد قال السّدّي و غيره: لم يطيقوا سماعه، و اختلطت أذهانهم و رغبوا أن يكون موسى يسمع و يعيده لهم، فلمّا فرغوا و خرجوا بدّلت طائفة منهم ما سمعت من كلام اللّه على لسان نبيّهم موسى عليه السّلام، كما قال تعالى: وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ[٢]!
فإن قيل:
[٢/ ٢٤٣٢] فقد روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس أنّ قوم موسى سألوه أن يسأل ربّه أن يسمعهم كلامه، فسمعوا صوتا كصوت الشّبّور[٣]: «إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا الحيّ القيّوم، أخرجتكم من مصر بيد رفيعة و ذراع شديد»!
قلت: هذا حديث باطل لا يصحّ، روي بسند ضعيف، و إنّما الكلام شيء خصّ به موسى من بين جميع ولد آدم. فإن كان اللّه قد كلّم قومه أيضا حتّى أسمعهم كلامه، فما فضل موسى عليهم؟! و قد قال تعالى- و قوله الحقّ-: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَ بِكَلامِي[٤]. و هذا واضح[٥].
[٢/ ٢٤٣٣] و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير عن مجاهد في قوله: أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ...
الآية. قال: فالذين يحرّفونه و الّذين يكتمونه هم العلماء منهم، و الّذين نبذوا كتاب اللّه وراء ظهورهم
[١] الطبري ١: ٥٢٠/ ١١٠٢؛ ابن أبي حاتم ١: ١٤٨/ ٧٧٢؛ ابن كثير ١: ١١٩.
[٢] التوبة ٩: ٦.
[٣] على وزان التنّور: البوق. و لعلّه معرّب« شيپور» الفارسيّة.
[٤] الأعراف ٧: ١٤٤.
[٥] القرطبي ٢: ٢.