التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٦٦ - ما ذا تهدينا ملامح التعبير؟
فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ وَ مِنْ بَيْنِنا وَ بَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ[١].
و لا ريب أنّه لسان ذمّ، و لا ذمّ إلّا على فعل اختياري ارتكبه إنسان ساقط.
فهم جعلوا أنفسهم بمثابة القردة و الخنازير في نزواتها و شهواتها، و عبدوا الطاغوت ذلّا و صغارا. و الطاغوت طاغوت الهوى و الانطلاق في مسارح الطيش و الردى في مهانة و احتقار.
على أنّ هذا الخطاب جاء عتابا للأبناء بما ارتكبه الآباء من فضائح، ليعتبروا بها. و لا اعتبار إلّا بما يعرفونه و يلمسونه من قبح أعمال السالفين.
و قد جاء العتاب أوّلا بمكّة- في سورة الأعراف- ثمّ بالمدينة في البقرة و المائدة. فلا بدّ أنّ الأبناء وجدوا ذلك في مآثر آبائهم. إمّا على صحائف التاريخ أو المأثور في الصدور يتوارثونه يدا بيد. و ليس في الآثار العبريّة ما يشي بتحوّل الصور و الأجساد. في حين أنّه أمر عظيم. أمّا التحوّل في القلوب و الأرواح، فقد سجّل التاريخ منه الشيء الكثير.
فتلك تعنّتاتهم و لجاجهم دون الرضوخ للحقّ، و ارتكابهم المخازي الفاضحة، كلّها مسجّلة على صفحات تاريخ حياة بني إسرائيل، المليئة بالأكدار و الأقذار.
تكفيك مراجعة سفر الخروج، ففيه من المآثم و المآسي ما يجعل الإنسان في خجل و عجب من فعال هؤلاء القوم و تصرّفاتهم المخزية تجاه الأنبياء و كفرانهم الشنيع لما أنعم اللّه عليهم بفضله العميم.
جاء في سفر الخروج (أ ص ١٦ ع ٢٧) أنّهم منعوا من التقاط المنّ يوم السبت، فقد كان توفّر لهم الطعام يوم الجمعة ما يكفي للغد أيضا. لكنّ بعض الشعب خرجوا ليلتقطوا في السبت فلم يجدوا. فجاء الخطاب لموسى عليه السّلام: «إلى متى تأبون أن تحفظوا وصاياي و شرائعي؟!».
و في الأصحاح ١٧ ع ١- ٥: «أنّهم ارتحلوا من برّيّة سين و نزلوا رفيديم و لم يكن ماء ليشربوا، فخاصموا موسى عليه السّلام و تذمّروا حتّى كادوا يقتلونه، فصرخ موسى إلى الربّ قائلا: ما ذا أفعل بهذا الشعب، بعد قليل يرجموني!!».
[١] فصلت ٤١: ٥.