التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠ - سورة البقرة(٢) آية ٤٨
الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردا، فصار صاحبه له فيها شافعا، و طلبه فيه و في حاجته شفاعة؛ و لذلك سمّي الشفيع في الدار و في الأرض شفيعا لمصير البائع به شفعا[١].
فتأويل الآية إذا: و اتّقوا يوما لا تقضي نفس عن نفس حقّا لزمها للّه- جلّ ثناؤه- و لا لغيره، و لا يقبل اللّه منها شفاعة شافع، فيترك لها ما لزمها من حقّ! و قيل: إنّ اللّه- عزّ و جلّ- خاطب أهل هذه الآية بما خاطبهم به فيها، لأنّهم كانوا من يهود بني إسرائيل، و كانوا يقولون: نحن أبناء اللّه و أحبّاؤه و أولاد أنبيائه، و سيشفع لنا عنده آباؤنا! فأخبرهم اللّه- جلّ و عزّ- أنّ نفسا لا تجزي عن نفس شيئا في القيامة، و لا يقبل منها شفاعة أحد فيها، حتّى يستوفى لكلّ ذي حقّ منها حقّه. كما:
[٢/ ١٧٠٣] روى ابن عفّان: أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «إنّ الجمّاء- و هي الّتي لا قرن لها- لتقتصّ من القرناء يوم القيامة، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً[٢] الآية[٣].
فآيسهم اللّه- جلّ ذكره- ممّا كانوا أطمعوا فيه أنفسهم من النجاة من عذاب اللّه، مع تكذيبهم بما عرفوا من الحقّ و خلافهم أمر اللّه في اتّباع محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ما جاءهم به من عنده، بشفاعة آبائهم و غيرهم من الناس كلّهم، و أخبرهم أنّه غير نافعهم عنده إلّا التوبة إليه من كفرهم و الإنابة من ضلالهم، و جعل ما سنّ فيهم من ذلك إماما لكلّ من كان على مثل منهاجهم، لئلّا يطمع ذو إلحاد في رحمة اللّه!
قال أبو جعفر: و هذه الآية و إن كان مخرجها عامّا في التلاوة، فإنّ المراد بها خاصّ في التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:
[٢/ ١٧٠٤] أنّه قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي»[٤].
[٢/ ١٧٠٥] و أنّه قال: «ليس من نبيّ إلّا و قد أعطي دعوة، و إنّي خبأت دعوتي شفاعة لأمّتي، و هي
[١] الطبري ١: ٣٨١.
[٢] الأنبياء ٢١: ٤٧.
[٣] مسند أحمد ١: ٧٢؛ مجمع الزوائد ١٠: ٣٥٢؛ كنز العمال ١٤: ٣٧٣/ ٣٨٩٨٦. و لكنّ فيه نكارة، إذ كيف يقتصّ من بهيمة لا تشعر بالعدوان؟! و من ثمّ فهو مرفوض على أصول الحكمة.
[٤] مسند أحمد ٣: ٢١٣؛ ابن ماجة ٢: ١٤٤١/ ٤٣١٠، عن جابر؛ و أبو داود ٢: ٤٢١/ ٤٧٣٩، عن أنس بن مالك؛ الترمذي ٤: ٤٥/ ٢٥٥٢ عن أنس و ٢٥٥٣ عن جابر.