التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٨ الى ٥٩
و يبدو أنّ القرية كانت قريبة[١] من مرتحلهم آنذاك، و هم في برّيّة «فاران» حيث نزلوا بمدينة «قادش» مشرفين على أرض كنعان التي هي الأرض المقدّسة التي وعدها اللّه بني إسرائيل، مذ خرجوا من مصر، و قد مضت سنة و هم في غضون السنة الثانية من ترحالهم هذا.
و عند ذاك جاء الأمر من عنده تعالى لموسى عليه السّلام: أن ابعث اثني عشر رجلا يتجسّسون أرض كنعان و يدخلون أولى و أزهر مدينة منها: حبرون، الآهلة بالسكّان و العامرة بوفور النعم. فبعث موسى من كلّ قبيلة رجلا يتجسّسون الأخبار[٢] و قال لهم: اصعدوا إلى الجبل، و انظروا الأرض ما هي و ما سكّانها و تأكّدوا من عددهم و عدّتهم، و كذلك انظروا في ثمرات الأرض و بركاتها ..
فصعدوا إلى الجبل و أتوا إلى حبرون و جمعوا الأخبار و رجعوا بعد أربعين يوما، يحملون أخبارا عن ثمرات الأرض و عوائدها، و شيئا من قوّة رجالها و مناعة حصونها، الأمر الذي هابه القوم، لو لا أنّ كالبا و يوشع أخذا يخفّفان من هولهم و يثبتان من عزيمتهم على الاستقامة، و أنّهم سوف يغلبونهم بحوله تعالى و قوّته. و قد وعدهم اللّه ذلك.
أمّا البقيّة (العشرة) فجعلوا يبالغون في تهويل القوم و الحديث عن مقدرة رجال المدينة الجبّارة و فيهم العمالقة بنو العناق، ذوو الأجسام الضخام، كما أخذوا يزهّدون القوم و يستقلّون من ثمرات الأرض و ضحالة عوائدها، بما كاد يثبّط من عزيمة القوم و تخوير قواهم.
فتذمّر القوم و تندّموا عن مغادرة مصر ذات النعم الوفيرة، و أخذوا يتمرّدون عن أوامر موسى، فاحتار موسى في أمره و كاد يأخذه الغضب.
و هنا نزل العذاب المفاجئ[٣] بأولئك المثبّطين العشرة، فماتوا لفورهم، إذ كانوا قد بدّلوا القول، فبدلا من أن يشجّعوا القوم و يرغّبوهم في القيام و الجهاد، و أنّ الظفر حليفهم ما داموا على الإيمان،
[١] حيث الإشارة إليها ب« هذه» المفيدة للقرب. و قد كان بينهم و بينها ما يقرب من ستّين ميلا، حيث كانوا نزلوا في مدينة قادش من برّيّة فاران. و برّيّة فاران تقع في شرقيّ وادي سيناء بين برّيّة شور و برّيّة سين. و مدينة قادش تقع في منتهى برّيّة فاران نحو الأرض المقدّسة، بينها و بين أولى مدينة عامرة من أرض كنعان المقدّسة ما يقرب من ستّين ميلا.
[٢] جاءت أساميهم في سفر العدد( ١: ١٣): يوشع، كالب، شموع، شافاط، يجال، فلطي، جدىئيل، جدى، عميئيل، ستور، نحبي، جاوئيل.
[٣] جاء في سفر العدد ١٤: ٣٦- ٣٨: أهلكهم الوباء، و هو كلّ مرض متفشّ سريع الإهلاك.