التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - هل يصح التكليف بعد الرجعة؟
[٢/ ١٩٧٤] كما قال عليّ عليه السّلام: «و إنّ قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الأحرار»[١].
*** و قد مال الإمام الرازي إلى رأي أبي عليّ الجبّائي و أنّه بعد العلم الضروري لا تكليف، فإذا كان المانع هو هذا، لم يمتنع في هؤلاء الّذين أماتهم بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرّهم إلى المعرفة، إذ كانوا في غفوة من ذلك، و يكون موتهم ثمّ الإحياء بمنزلة النوم أو الإغماء[٢].
و هكذا قال الشيخ في التبيان، قال- دعما لمذهب أبي عليّ-: و لأبي عليّ أن يقول: لا نمنع من الوجوب، لكن لا يجوز التكليف، لأنّ الغرض المعرفة- أي هي أصل ما وقع التكليف به للعباد- و قد حصلت.
قال: و الذي أقوله: إنّ الّذي يحيى بعد الإماتة، إن كان لم يحصل له المعرفة الضروريّة و لم يضطرّ إليها، فإنّه لا يمتنع تكليفه، إذ ليس الإحياء بعد الإماتة- حينذاك- إلّا كالانتباه من النوم و الإفاقة بعد الغشية، فإنّ ذلك لا يوجب علم الاضطرار[٣].
و للشيخ تقريب آخر لجواز التكليف و عدم حصول المعرفة، قال: لأنّ العلم بأنّ الإحياء بعد الإماتة، هو من صنعه تعالى، لا يحصل إلّا بعد التفكّر و التحقيق لمن كان من أهله. إذ طريق الاستدلال و قيام الحجّة الباهرة، حيث كانت من غوامض الدلائل و ليست من كواشفها الواضحة لكلّ أحد. و عليه فليس مجرّد الإحياء بعد الإماتة ممّا يوجب العلم لمن أحياه اللّه، بأنّ ذلك من صنعه تعالى، فلا يكون مضطرّا إلى المعرفة و لا يوجب بلوغ الكمال.
قال: فلذلك يصحّ تكليفه كما في المنتبه بعد المنام أو المفيق بعد الغشية[٤].
قلت: و الأرجح في النظر: أنّ أمثال الآيات التي وقعت في مشاهد من بني إسرائيل و التي منها إحياء السبعين من خيارهم، إنّها لكانت كافية لتنبّه سائر الأمم الصاحية الواعية. لا لأمّة عاصية عاتية، قد أشرب في قلوبهم العجل سفها و حمقا. فأين المعرفة و كمالها بشأنهم بالذات، و البون بعيد و المسافة شاسعة.
[١] نهج البلاغة ٤: ٥٣، الحكمة ٢٣٧.
[٢] التفسير الكبير ٣: ٨٦- ٨٧.
[٣] التبيان ١: ٢٥٤.
[٤] المصدر.