التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٥ الى ٥٦
أمرهم به و خرجوا للقاء اللّه: يا موسى اطلب لنا إلى ربّك لنسمع كلام ربّنا! فقال: أفعل. فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتّى تغشّى الجبل كلّه، و دنا موسى فدخل فيه، و قال للقوم: ادنوا.
و كان موسى إذا كلّمه ربّه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب. و دنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه و هو يكلّم موسى يأمره و ينهاه: افعل و لا تفعل. فلمّا فرغ من أمره و انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا لموسى: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ[١] و هي الصاعقة فماتوا جميعا.
و قام موسى يناشد ربّه و يدعوه، و يرغب إليه و يقول: رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ[٢] و قد سفهوا، أ فتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما تفعل السفهاء منّا؟ أي أنّ هذا لهم هلاك، اخترت منهم سبعين رجلا، الخيّر فالخيّر ارجع إليهم، و ليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدّقوني به أو يأمنوني عليه بعد هذا؟ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ[٣]. فلم يزل موسى يناشد ربّه- عزّ و جلّ- و يطلب إليه، حتّى ردّ إليهم أرواحهم، فطلب إليه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلّا أن يقتلوا أنفسهم[٤].
[٢/ ١٩٥٧] و عن السدّي: لمّا تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، و تاب اللّه عليهم بقتل بعضهم بعضا كما أمرهم به، أمر اللّه تعالى موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، و وعدهم موعدا، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا على عينه، ثمّ ذهب بهم ليعتذروا.
فلمّا أتوا ذلك المكان قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فإنّك قد كلّمته فأرناه. فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي و يدعو اللّه و يقول: ربّ ما ذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم و قد أهلكت خيارهم رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا[٥]. فأوحى اللّه إلى موسى: إنّ هؤلاء السبعين ممّن اتخذ العجل، فذلك حين يقول موسى: إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ. وَ اكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً
[١] الأعراف ٧: ١٥٥.
[٢] الأعراف ٧: ١٥٥.
[٣] الأعراف ٧: ١٥٦.
[٤] الطبري ١: ٤١٦/ ٨٠٦.
[٥] الأعراف ٧: ١٥٥.