التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ٥٥ الى ٥٦
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ الى ٥٦]
وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)
و هذا أيضا موقف من مواقف بني إسرائيل التعنتيّة، يقابلون النعم بالعتوّ و الكفران بدل أن يشكروها.
من ذلك موقف آبائهم إذا هم يطلبون أن يروا اللّه جهرة، و الّذين طلبوا هذا المستحيل هم السبعون الّذين اختارهم موسى لميقات ربّه، و إذا هم يرفضون الإيمان لموسى إلّا أن يروا اللّه عيانا.
و القرآن يواجههم بهذا التجديف[١] الذي صدر من آبائهم، لينكشف تعنّتهم القديم الذي يشابه تعنّتهم الحاضر مع الرسول الكريم، فقد شابه الأبناء الآباء حذو النعل بالنعل.
نعم إنّ الدلائل و البيّنات و كذا النعم و الآلاء كلّها لا تغيّر من تلك الطبيعة الجاسية[٢] التي لا تؤمن إلّا بالمحسوس، و التي تظلّ مع ذلك تجادل و تماحل و لا تستجيب إلّا تحت وقع العذاب و التنكيل، ممّا يوحي بأنّ فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادا عميقا، و ليس أشدّ إفسادا للفطرة من الذلّ الذي ينشئه الطغيان الطويل، و الّذي يحطّم فضائل النفس البشريّة، و يحلّل مقوّماتها، و يغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلّاد، و تمرّدا حين يرفع عنهم السوط، و تبطّرا حين يتاح لها شيء من النعمة و القوّة. و هكذا كانت إسرائيل- و هكذا هي في كلّ حين.
قال سيّد قطب: و من ثمّ يجدّفون هذا التجديف. و يتعنّتون هذا التعنّت:
وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ...
و من ثمّ يأخذهم اللّه جزاء هذا التجديف، و هم على سفح الجبل في الميقات: فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ.
[١] التجديف: كفران النعم.
[٢] الصعبة القاسية.