التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٢ - حديث توبة بني إسرائيل! و قتل أنفسهم!
و الأصل فيه ما جاء في سفر الخروج: «و لمّا اقترب موسى من المحلّة أبصر العجل و الرقص، فغضب و رمى اللوحين فكسرهما، ثمّ أخذ العجل فأحرقه و طحنه و ذرّاه على وجه الماء و سقاه بني إسرائيل! و لام موسى هارون فاعتذر إليه.
و لمّا رأى موسى ذلك، طلب من كان للربّ أن يأتيه، فأتاه بنو لاوي- من قبيل موسى و هارون، دون سائر الأسباط- فأمرهم أن يأخذوا سيوفهم و يمرّوا بالمحلّة بابا بابا، و يقتل كلّ رجل أخاه و صاحبه و قريبه، ففعلوا و قتل في ذلك اليوم ثلاثة آلاف رجل .. ثمّ صعد موسى الجبل و طلب لهم المغفرة من اللّه، فإذا لم يفعل فليمح موسى من كتابه. فأجابه الربّ إلى ذلك»[١].
و هذه القصّة على غرابتها سرت- بزيادة و مبالغة- في كتب التفسير و الحديث، و من غير أن يكون لها شاهد من الكتاب أو الأثر الصحيح.
هكذا ذكر الثعلبي القصّة مبالغا فيها، قال: لمّا أمرهم موسى بالقتل، قالوا نصبر لأمر اللّه!! فجلسوا بالأفنية[٢] محتبئين[٣] مطرقين مهيّئين للقتل!!
و قيل لهم: من حلّ حبوته أو مدّ طرفه إلى قائله أو اتّقاه بيد أو رجل، فهو ملعون مردود توبته، و أصلت القوم عليهم الخناجر[٤] و كان الرجل يرى ابنه و أباه و أخاه و قريبه و صديقه و جاره، فلم يمكنهم المضيّ لأمر اللّه، و قالوا لموسى كيف نفعل؟! فأرسل اللّه ضبابة[٥] و سحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا، فجعلوا يقتلونهم حتّى المساء. فلمّا كثر القتلى دعا موسى و هارون و بكيا و جزعا و تضرّعا إلى اللّه و قالا: يا ربّ هلكت بنو إسرائيل، البقيّة البقيّة!
فكشف اللّه عنهم و أمرهم أن يكفّوا عن القتل. فتكشفت عن ألوف من القتلى .. و يروى أنّ عدد القتلى بلغ سبعين ألفا، فاشتدّ ذلك على موسى، فأوحى اللّه إليه: أ ما يرضيك أن أدخل القاتل
[١] سفر الخروج، أصحاح ٢٥٣٢- ٢٩.
[٢] فناء الدار: الساحة أمام البيت.
[٣] الاحتباء: جلوس على الورك و القدمين، جامعا للركبتين إلى الصدر، مع شدّ الساقين إلى الظهر بعمامة و نحوها.
[٤] أصلت السيف: جرّده من غمده و سلّه شاهرا به.
[٥] الضبابة: سحابة تغشي الأرض.