فقه القضاء - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٩٢ - ب - إن الحبس أظهر أسباب الإلزام و النهي عن المنكر و أقوى طرق استخراج الحق
العقوبة، إلّا الثلاثة الذين ذكرهم. و الثاني: ما كان ليحبس حبساً طويلًا إلّا الثلاثة الذين استثناهم؛ لأنّ الحبس في الدين إنّما يكون بمقدار ما تبيّن حاله.[١] أقول: و لعلّ النفي نسبيّ بالنسبة إلى من لم يكن عنده شيء، و لم يرتكب معصية كأكل مال اليتيم، و الخائن لأمانة، و الغاصب. فإنّ هؤلاء يحبسون و لو لم يكن عندهم مال، من باب التعزير و العقوبة؛ بخلاف من لم يكن كذلك. و عليه، فالتبرير الأوّل من الشيخ رحمه الله، له وجه وجيه. و بالتالي تكون الرواية ساكتة عمّا نحن فيه فلا تكون معارضة.
و الدليل الثاني أيضاً قابل للمناقشة، إذ الغرض الأصلي إيصال الحقّ و قد يكون الحبس وسيلة لأداء الحقّ لا في جميع الموارد. بل لا دليل على كونه أظهر أسباب الإلزام.
قال الشهيد الأوّل رحمه الله: «و ضابط الحبس توقّف استخراج الحقّ عليه.»[٢] ثمّ إنّ القاضي ينظر في حال المحكوم عليه و إمكان أداء الدين، فإذا أمكن إجباره بدفع المال عيناً أو مثلًا أو قيمة فهو مقدّم على باقي الطرق و إن امتنع يتصرّف في ماله و يباع بمقدار أداء دينه عند إصرار المحكوم له. و هذا هو مقتضى مراتب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الجمع بين الحقّين؛ حقّ المدين و الدائن. مع أنّ الحبس كثيراً ما يوجب الفساد الخُلقي في المسجون و صرف أموال كثيرة بلا طائل لحفظ المسجونين و مراقبتهم مع حرمان أسرتهم عن حضورهم و ترتّب المفاسد العظيمة الاجتماعيّة جدّاً على نساءهم و أولادهم كما هو اليوم في البلدان كلّها. فلا يتطرّق الحاكم إلى حبس المدين إلّا عند الضرورة و سدّ باقي الطرق لإحقاق الحقّ. هذا إذا كان الحبس نافعاً لإحقاق الحقّ و أخذ الدين، فلا يخلّد في السجن أو يترك فيه مدّة طويلة سدىً اتّكالًا على القضاء و القدر. هذا حكم الموسر الممتنع و أمّا مدّعي الإعسار أو المشكوك حاله فعلًا و إن كان واجداً قبلًا، فيأتي في الفصل الآتي.
[١]- راجع: تهذيب الأحكام، ج ٦، ص ٣٠٠- وسائل الشيعة، الباب ١١ من أبواب كيفيّة الحكم، ح ٢، ج ٢٧، ص ٢٤٨.
[٢]- القواعد و الفوائد، ج ٢، ص ١٩٢.