فقه القضاء - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٤٨٩ - الأمر الأول فيما إذا كان الحق عقوبة
ثمّ إنّ المحقّق النجفي رحمه الله أشكل فيما استدلّ به للزوم الإذن من الحاكم بقوله: «و فيه: أنّ إطلاق السلطان للوليّ، و تسلّط الناس على استيفاء حقوقها و غير ذلك، يقتضي عدم اعتبار الرفع إلى الحاكم، مع فرض معلوميّة الحال و إقرار الخصم، كما أنّه يقتضي مباشرته لا خصوص الحاكم.»[١] غير أنّنا نقول: إنّ تبرير مثل هذا الاعتراض ضعيف لا يعتنى به. و ما ذلك إلّا لأنّ الآية الشريفة و هي قوله تعالى: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً»[٢] تدلّ على أصل تشريع السلطنة للوليّ، و هو غير كافٍ في الإطلاق. و كذلك القول بتسلّط الناس على استيفاء حقوقهم، غير كافٍ في المقام؛ لأنّه لا ينافي أن يكون حكم الاستيفاء بكيفيّة خاصّة، و إنّما هم مسلّطون على حقوقهم لا على أحكامهم.
و على ذلك لا بدّ من المراجعة إلى الحاكم لإثبات حقّ القصاص للوليّ في المحكمة، فلا يجوز له المبادرة إلى استيفاء القصاص من دون مراجعة إلى الحاكم لإثبات الحقّ، إذ ثبوت الحقّ و السلطنة للوليّ لا ينافي ذلك، و القاضي نصب لرفع المنازعات و أخذ الحقوق. نعم بعد ثبوت الحقّ بحكم الحاكم، لا يحتاج الاستيفاء إلى الإذن من الإمام أو نائبه، و هذا هو الذي يبحث عنه في كتاب القصاص[٣]؛ و لعلّ به يجمع بين كلمات الفقهاء أو بين كلمات فقيه واحد كالشيخ و العلّامة رحمهما الله، فمرادهم من الرجوع إلى المحكمة و لزوم الإذن منه، هو لزوم الترافع إلى الحاكم لإثبات حقّ القصاص، و من عدم لزوم المراجعة للاستيفاء، هو عدم لزوم الإذن من الإمام أو نائبه بعد ثبوت الحقّ بحكم القاضي.
و أمّا الحدود، فلا تجوز المبادرة إليها بدون إذن الحاكم للروايات الدالّة على كون إقامة
[١]- جواهر الكلام، ج ٤٠، ص ٣٨٧.
[٢]- الإسراء( ١٧): ٣٣.
[٣]- راجع: فقه القصاص، صص ٣١٦-/ ٣١٨.