فقه القضاء - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٥٧٠ - المطلب الثالث في إطلاق حجية البينة و عدمه
٥- ما روته العامّة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: «أنّ رجلين تداعيا بدابّة، فأقام كلّ واحد منهما البيّنة أنّها دابّته نتجها، فقضى بها رسول اللَّه صلى الله عليه و آله للذي هي في يديه.»[١] نقول: بعد جميع ذلك، إنّ الذي يحكم به العقل و يساعد عليه الاعتبار، هو أنّ الاكتفاء باليمين في جانب المنكر، ليس هو من باب الأمر التعبّدي المحض الذي يحثّ عليه الشرع، و إنّما هو لكونه كاشفاً عن صدقه في قوله و إنكاره، و ذلك لاستبعاد حلف المسلم المعتقد باللَّه و باليوم الآخر كذباً و عدواناً.
و عليه، فلو كان في البين ما هو أتمّ كشفاً و أقوى شاهداً من ذلك، كيف لا يصار إليه، كما لو كانت هناك مثلًا أمارات و قرائن حاليّة أو مقاليّة توجب العلم و الاطمئنان بصدق المدّعي.
و قبال هذه الأدلّة يستدلّ على عدم حجّيّة البيّنة إذا أقامها المنكر بأمور:
أ- الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ البيّنة على المدّعي و اليمين على المدّعى عليه بادّعاء استفادة الحصر منها و بأنّ التفصيل قاطع للشركة.
أقول: هذه الأخبار لا تدلّ إلّا على أنّ المطالَب بالبيّنة، هو المدّعي لا المنكر و لا يدلّ على عدم حجّيّة بيّنته إن أقامها، و قد مرّ في توضيح رواية محمّد بن سنان أنّ القول بالاكتفاء بالحلف إنّما هو رخصة لتسهيل الأمر لا عزيمة.
ب- ما ذكره الشيخ الأنصاري رحمه الله حسبما نقل تلميذه المحقّق الآشتياني رحمه الله و هو كون بيّنة المدّعي علّة تامّة لإثبات الحقّ بها و ليس للحاكم بعدها حالة يتريّث فيها كي يحكم بها و هذا كافٍ في عدم سماع بيّنة المنكر في قبالها، و يدلّ على ذلك ما في بعض الأخبار من أنّ استخراج الحقوق بأربعة و عدّ منها البيّنة، فإنّ ظاهره كون الأربعة علّة تامّة لاستخراج الحقّ بها و ما جاء في الآثار من أنّ دأب النبي صلى الله عليه و آله كان فيما إذا ترافع إليه الخصمان، هو أن يبتدأ بالسؤال عن وجود البيّنة من المدّعي، فإن كانت له بيّنة أنفذ الحكم
[١]- السنن الكبرى، ج ١٠، ص ٢٥٦.