فقه القضاء - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٧٩ - الفصل الثاني في توقف الحكم بالإقرار على طلب المدعي
أن يكون ترك الدعوى و استرداده برضًا من المدّعى عليه و إلّا فلا أقلّ من أن يرخّص المدّعى عليه أن يشتكي على المدّعي من هذه الجهة لأنّه سبب إضراره المالي و غيره.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم رحمه الله ذكر وجهاً آخر في المسألة و هو أنّ توقّف الحكم على مطالبة المدّعي و عدمه ليس مبنيّاً على أنّ المطالبة حقّ للمدّعي أم لا، بل على أنّ الحكم و الترك كليهما للمدّعي أو الحكم فقط دون الترك؟ فإن قلنا بالأوّل فيثبت التوقّف؛ لأنّ أحدهما ليس بأولى من الآخر فتقديمه عليه يحتاج إلى الإذن و المسألة و أمّا لو قلنا: إنّ الحكم فقط حقّ له دون تركه، فرجوعه إلى الحاكم يكفي في جواز المطالبة، و لا يحتاج إلى إذن آخر، و لعلّ الأوّل هو الأقرب حتّى في الحكم بعد الإقرار فضلًا عن الحكم بعد إقامة البيّنة.[١] أقول: و فيه منع لا يخفى على المتأمّل المدقّق؛ فإنّ الحكم و تركه ليسا هما حقّاً للمدّعي، و لا أحدهما؛ و إنّما للمدّعي حقّ الرجوع إلى الحاكم، و حقّ المطالبة بالحكم؛ و هو قد استفاد من حقّه بالرجوع إلى الحاكم و الطلب منه.
و بما أنّ ذلك حقّ له، فلو أراد عدم الاستفادة منه؛ لأمكنه ذلك بترك المطالبة و الرجوع عن رجوعه. فإذا لم يترك و لم يرجع، فللحاكم أن يفعل كلّ فعل و قول يتوقّف رفع الخصومة عليه، من غير احتياج إلى مسألته. و لعمري، هذا غير خفيّ على المتأمّل. هذا أوّلًا.
و ثانياً، بيد أنّ هذا إنّما يصار إليه قبل ثبوت الحقّ للحاكم، و أمّا إذا ثبت عنده الأمر بالبيّنة أو الأمارات المفيدة للعلم أو حلف المنكر، و ثبت أنّ المدّعي لا حقّ له، فهل له أن يطلب من الحاكم عدم الحكم، كجوازه قبل ثبوت الحقّ أو لا؟ فيه تأمّل.
و لعلّ الأقوى أنّه ليس له ذلك، لأنّه إذا ثبت عند الحاكم براءة المدّعى عليه، فلو قلنا:
إنّه يجوز له مطالبة ترك الحكم، لأدّى إلى مزاحمة حقّ المدّعى عليه؛ و ذلك لأنّه اتّهم بتوجّه الدّعوى إليه، فإذا ثبت عند الحاكم براءته و لم يحكم بها، فيصير مظلوماً؛ و بالتالي
[١]- راجع: القضاء الإسلامي، ج ١، صص ٣٧٦ و ٣٧٧- كتاب القضاء للمحقّق الآشتياني، ص ٩٧.