فقه القضاء - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٢٧١ - الخامسة الرجوع إلى البينة بعد إسقاطها و التماس يمين المنكر
على طبقها، بل كذلك له الإعراض عن البيّنة، و أن يطلب الحلف من المنكر بدلها.
فإن هو اختار الثاني و استحلف المنكر و المنكر حلف بدوره، ففي مثل هذه الحالة، يكون اليمين قد ذهب بالحقّ، و سقطت الدعوى و أُغلق الملفّ. كما هو مفاد موثّقة ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه، فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له. قلت له: و إن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال: نعم، و إن أقام بعد ما استحلفه باللَّه خمسين قسامة ما كان له، و كانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه.»[١] و غير ذلك ممّا مرّ سابقاً.
أمّا إذا أراد استحلاف المنكر، و لكنّه بان له قبل الحلف الإعراض عن الاستحلاف، و تقدّم لإقامة البيّنة على الدعوى؛ هنا له أن يفعل ذلك، بناءً على استصحاب حقّه في إقامة البيّنة، و عدم سقوطه بالاستحلاف. و إطلاق الروايات الحاكمة على تقديم بيّنة المدّعي على حلف المدّعى عليه يشمل ذلك.
و إن هو اختار الأوّل و أقام البيّنة و حكم الحاكم على طبقها، فقد ثبتت الدعوى، و تختم القضيّة، و يغلق الملفّ المتعلّق بها.
و نقول: أمّا لو انصرف عن الحكم على وفق البيّنة بعد إقامتها و قبل الحكم بها، و أراد أن يستحلف المنكر، ففي مثل هذه الحالة يمكن أن يقال: إنّه ليس له ذلك، للزوم اللغويّة؛ حيث إنّ المنكر إمّا أن يحلف بعد الاستحلاف، أو لا يحلف بل يردّ أو ينكل.
فإن ردّ أو نكل و حلف المدّعي، فغاية الأمر هو ثبوت الدعوى بهما، و هي قد ثبتت فعلًا من قبل بالبيّنة، و حينئذٍ فالحلف لا يفيد شيئاً.
و أمّا إن حلف، فلا دليل أيضاً على سقوط الدعوى به، لأنّ الظاهر من أدلّة سقوط الدعوى بالحلف، هو أن يكون قبل إقامة البيّنة، و أمّا بعد إقامتها، فلا تشمله الأدلّة.
[١]- وسائل الشيعة، الباب ٩ من أبواب كيفيّة الحكم، ح ١، ج ٢٧، صص ٢٤٤ و ٢٤٥.