إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٦ - قال الناصب خفضه الله
لم يستوجب الظلم، و الظلم تصرّف في حقّ الغير، و اللّه تعالى لا يظلم الناس في كلّ تصرّف يفعل فيهم، و قد روي أنّ عمرو بن العاص سأل أبا موسى الأشعري رضي اللّه عنه، فقال:
يخلق فيّ المعصية ثمّ يعذّبني بها فقال: أبو موسى لأنّه لم يظلمك، و توضيح هذا المبحث أنّ النّظام الكلّي في خلق العالم يقتضي أن يكون فيه عاص و مطيع كالبيت الذي يبنيه حكيم مهندس، فانّه يقتضي أن يكون فيه بيت الرّاحة، و محلّ الصلاة و إن لم يكن البيت مشتملا على المستراح كان ناقصا، كذلك إن لم يكن في الوجود عاص لم يكمل النظام الكلّي، و لم يملأ النّار من العصاة، و كما أنّه لا يستحسن أن يعترض على المهندس إنّك لم عملت المستراح و لم لم تجعل البيت كلّه محلّ العبادة و مجلس الأنس؟ كذلك لم يحسن أن يقال: لخالق النظام الكلّي: لم خلقت العصاة؟ و لم لم تجعل العباد كلّهم مطيعين؟ لأنّ النّظام الكلّي كان يقتضي وجود الفريقين، فالتّصرف الذي يفعل صاحب البيت في جعل بعضه مسجدا، و بعضه مستراحا هل يقال: هو ظلم!؟ فكذلك تصرّف الحقّ سبحانه في الوجود بأىّ وجه يتفق لا يقال:
إنّه ظلم و لكنّ المعتزليّ الأعمى يحسب أنّ الخلق منحصر فيه، و هو مالك لنفسه و اللّه ملك عليه لا يعلم أنّه مالك مطلق، ألا ترى؟ أنّ الرّجل الذي يعمل عملا و يستأجر على العمل رجالا و يستعمل معهم بعض عبيده الأرقّاء، فإذا تمّ العمل أعطى الاجراء أجرتهم، و لم يعط العبيد شيئا هل يقال: إنّه ظلم العبد؟ لا شكّ أنّه لا يقول عاقل: إنّه ظلم العبد، و ذلك لأنّه تصرّف في حقّه بما شاء، ثمّ إنّ هذا الرجل لو حمل العبد فوق طاقته، أو قطع عنه القوت و اللّباس يقال: إنّه ظالم، و ذلك لأنّه تجاوز عن حدّ ما يملكه من العبد و هو التّصرّف حسبما أذن اللّه تعالى فيه، فإذا تجاوز من ذلك الحدّ، فقد ظلم، و ذلك لأنه ليس بالمالك المطلق، و لو كان هو المالك المطلق، و كان له التّصرف حيثما شاء و كيفما أراد لكان كلّ تصرّفاته عدلا لا جورا و ظلما، كذلك الحقّ سبحانه هو المالك المطلق، و له التّصرّف كيفما