إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢١ - أقول القاضى نور الله
فلم يوجد منه، إذ الشيء ما لم يجب لم يوجد، و إن كان مستلزما فهو مذهب أهل العدل، فانّ مرادهم باستقلال قدرة العبد في التّأثير استلزامها لفعله، فانّ العلّة المستقلّة تطلق على العلّة المستلزمة أيضا، و هذا القدر يكفيهم فيما ادّعوه، و لا يطابق مذهب الأشاعرة حيث قالوا: بمحض مقارنة الفعل لقدرة العبد من غير تأثيرها فيه، و أمّا ما نسبه إلى المصنّف، من أنّه قال: إنّ المدح و الذمّ لا يترتّب على ما لم يكن بالاختيار فليس كذلك، و إنّما قال المصنف: إنّ الأفعال الصّادرة بغير الاختيار لا يترتّب عليها مدح فاعلها و ذمّه، لا أنّه لا يترتّب مدح أو ذمّ على نفس تلك الأفعال، و كلام المصنّف صريح فيما ذكرنا، حيث قال: فانّه لو لم يصدر عنه لم يحسن توجّه المدح و الذمّ إليه أى إلى العبد، لا إلى الفعل الصّادر بغير اختيار كما توهّمه النّاصب، و ما تعارف بين أهل العرف و اللّغة إنّما هو تعلّق المدح أو الذمّ بنفس تلك الأفعال كحسن الوجه و قبحه لا بمحلّهما و هو العبد فيقال: رجل حسن الوجه، أو قبيحه من باب وصف الشيء بحال متعلّقه [١] و لا يقال: رجل حسن أو رجل قبيح على الإطلاق، و بالجملة هذا إنّما يصحّح مطلق المدح و لا يصحح المدح و الذمّ الاستحساني، و الاعتراضيّ فتدبّر، و أما ما ذكره من الترديد فقبيح جدّا، لظهور أنّ كلام المصنّف في بيان أنّ الأشاعرة لا يحكمون بعقولهم بحسن هذا المدح فهم معزولون عن العقل، و هذا يكفي في غرضه من تقبيح قولهم، و التزام النّاصب لذلك لا يدفع التقبيح، و إنّما يشهد على قبح التزامه و قلّة حيائه كما لا يخفى، على ان في الشقّ الأوّل منه اعترافا بنفي الحسن العقلي أصلا، و هو مناف لما ذكره النّاصب سابقا موافقا لما اختاره متأخّروا أصحابه من إثبات الحسن العقلي في الجملة، و بالنّظر إلى بعض المعاني الذي استثنوه عن محلّ النزاع تفصّيا عن الاشكال كما أشرنا إليه سابقا فتذكّر.
[١] اى باعتبار المحلية.