إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٣٥ - قال الناصب خفضه الله
عن الأصحاب فما رأيناها في كتبهم، و لكن ما أورد على تلك الأقوال فمجاب.
و أما ما أورد على القول الأوّل و هو أنّ الاختيار و الإرادة من جملة الأفعال فباطل لأنهما من جملة الصّفات، و هو يدّعي أنّهما من جملة الأفعال، و أصحابه قائلون بأنّ الإرادة ممّا يخلقها اللّه تعالى في العبد و العبد بهما يرجّح الفعل، فالحمد للّه الذي أنطقه بالحقّ على رغم منه، فانّه صار قائلا بأنّ بعض أفعال العبد ممّا يخلقه اللّه تعالى، و لكن ربما يدفعه بأنّه من الأفعال الاضطراريّة، و عين المكابرة أن يقال الاختيار فعل اضطراري، و أما قوله دليلهم آت في نفس هذا الاختيار، و بيانه أنّ الاختيار فعل من الأفعال فيكون مخلوقا للّه، لأنّه ممكن و كلّ ممكن فهو مقدور للّه تعالى، فالاختيار مقدور للّه فيكون مخلوقا للّه، فكيف يقال: إنّ الفعل يخلقه اللّه تعالى عقيب الاختيار، فجوابه أنّ الاختيار من الصّفات التي يخلقها اللّه تعالى أوّلا في العبد كسائر صفاته النفسانية و كيفيّاتها المعقولة و المحسوسة، ثمّ يترتب عليه الفعل، فلا يأتي ما ذكره من المحذور، لأنّا نختار أنّ الدّليل صحيح و ليس هو مسندا إلى العبد، و هو صادر عن اللّه تعالى، و أما قوله: و إذا كان الاختيار صادرا عن العبد موجبا لوقوع الفعل كان الفعل مستندا إلى فاعل الاختيار إلى آخر الدليل، فجوابه به أنّا نختار أنّ الاختيار صادر عن اللّه تعالى لا عن العبد، و أيضا نختار أنّ الاختيار ليس موجبا للفعل، قوله: لم يبق فرق بين الاختيار و الأكل مثلا في نسبتهما إلى إيقاع الفعل و عدمه، قلنا: ممنوع لما مرّ من أنّ الاختيار صفة توجب العبد التّوجه نحو تحصيل الأفعال و يخلق الفعل عقيب توجّه العبد للاختيار و الفعل مقارن لذلك الاختيار، و ليس الأكل كذلك فالفرق واضح، و أما قوله العادة غير واجبة الاستمرار فجاز أن يوجد الاختيار و لا يخلق اللّه الفعل عقيبه فنقول: هذا هو المدّعى، و المراد بالجواز هو الإمكان الذّاتي و إن خالفته العادة، و نحن لا نريد مخلصا بإثبات وجوب خلق الفعل عقيب الاختيار «انتهى».