فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٤٣٠
بجرانها لردّت شوارد الأهواء، و قادت حرون الشهوات، و لكنّها السياسة توغّل في غاياتها لا تلوي على شيء. و من وقف على خطبتها في ذلك اليوم عرف ما كان بينها و بين القوم، حيث أقامت على إرثها آيات محكمات حججا لا تردّ و لا تكابر، فكان ممّا أدلّت به يومئذ أن قالت:
«أعلى عمد تركتم كتاب اللّه و نبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: «وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ»، و قال فيما أقتصّ من خبر زكريّا: «فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا»، و قال: «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ»*، و قال:
«يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»، و قال: «كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ». ثمّ قالت: أخصّكم اللّه بآية أخرج بها أبي؟
أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمّي؟! أم تقولون:
أهل ملّتين لا يتوارثان؟! (الخطبة).
فانظر كيف احتجّت أوّلا على توريث الأنبياء بآيتي داود و زكريّا الصريحتين بتوريثهما. و لعمري أنّها (عليها السلام) أعلم بمفاد القرآن ممّن جاءوا متأخّرين عن تنزيله، فصرفوا الإرث هنا إلى وراثة الحكمة و النبوّة دون الأموال، تقديما للمجاز على الحقيقة بلا قرينة تصرف اللفظ عن معناه الحقيقيّ المتبادر منه بمجرّد الإطلاق، و هذا ممّا لا يجوز، و لو صحّ هذا التكلّف لعارضها به أبو بكر يومئذ أو غيره ممّن كان في ذلك الحشد من المهاجرين و الأنصار و غيرهم. على أنّ هناك قرائن تعين وارثة الأموال كما بيّنّاه سابقا.
و احتجّت ثانيا على استحقاقها الإرث من أبيها صلّى اللّه عليه و آله بعموم آيات المواريث و عموم آية الوصيّة، منكرة عليهم تخصيص تلك العمومات بلا مخصّص شرعيّ من كتاب أو سنّة. و ما أشدّ إنكارها إذ قالت:
«أخصّكم اللّه بآية أخرج بها أبي»؟ فنفت بهذا الاستفهام الإنكاريّ وجود المخصّص في الكتاب. ثمّ قالت: «أم أنتم أعلم بخصوص القرآن و عمومه من أبي و ابن عمّي»؟ فنفت بهذا الاستفهام التوبيخيّ وجود المخصّص في السنّة، بل نفت وجوده مطلقا، إذ لو كان ثمّة مخصّص لبيّنه لها النبيّ