فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٥٣٦
يا رسول الإله يا خيرة اللّه * * * و كهف الأيتام و الضعفاء
قد بكتك الجبال و الوحش جمعا * * * و الطير و الأرض بعد يبكي السماء
و بكاك الحجون و الركن و المش * * * عر يا سيّدي مع البطحاء
و بكاك المحراب و الدّرس * * * للقرآن في الصبح معلنا و المساء
و بكاك الإسلام إذ صار في النّا * * * -س غريبا من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الّذي كنت تعلو * * * -ه علاه الظلام بعد الضياء
يا إلهي عجّل وفاتي سريعا * * * فلقد تنغّصت الحياة يا مولائي
قالت: ثمّ رجعت إلى منزلها و أخذت بالبكاء و العويل ليلها و نهارها، و هي لا ترقأ دمعتها، و لا تهدأ زفرتها.
و اجتمع شيوخ أهل المدينة و أقبلوا إلى أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) فقالوا له: يا أبا الحسن إنّ فاطمة (عليها السلام) تبكي اللّيل و النهار فلا أحد منّا يتهنّأ بالنّوم في اللّيل على فرشنا، و لا بالنهار لنا قرار على أشغالنا و طلب معايشنا، و إنا نخبّرك أن تسألها إمّا أن تبكي ليلا أو نهارا، فقال (عليه السلام): حبّا و كرامة.
فأقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) حتّى دخل على فاطمة (عليها السلام) و هي لا تفيق من البكاء، و لا ينفع فيها العزاء. فلمّا رأته سكنت هنيئة له، فقال لها: يا بنت رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلا و إمّا نهارا.
فقالت: يا أبا الحسن ما أقلّ مكثي بينهم و ما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فو اللّه لا أسكت ليلا و لا نهارا أو ألحق بأبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، فقال لها عليّ (عليه السلام): افعلي يا بنت رسول اللّه ما بدا لك.
ثمّ إنّه بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمّى بيت الأحزان، و كانت إذا أصبحت قدّمت الحسن و الحسين (عليهما السلام) أمامها، و خرجت إلى البقيع باكية. فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء اللّيل أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) إليها و ساقها بين يديه إلى منزلها.
و لم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة و عشرون يوما، و اعتلّت العلّة الّتي توفّيت فيها، فبقيت إلى يوم الأربعين، و قد صلّى أمير المؤمنين (عليه السلام) صلاة الظهر و أقبل يريد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهنّ: ما الخبر و مالي أراكنّ متغيّرات