فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٥٥٤
ترزقون؟ لاقرار دون يزيد. و خرج من المدينة تحت ليلة، لا يرد مدينة إلّا صرخ فيها و استنفر أهلها على يزيد- و أخباره يكتب بها إلى يزيد- فلم يمرّ بملإ من الناس إلّا لعنه، و سمع كلامه، و قالوا: هذا عبد اللّه بن عمر خليفة رسول اللّه و هو ينكر فعل يزيد بأهل بيت رسول اللّه و يستنفر الناس على يزيد، و إنّ من لم يجبه لا دين له و لا إسلام.
و اضطرب الشام بمن فيه، و ورد دمشق و أتى باب اللعين يزيد في خلق من الناس يتلونه، فدخل اذن يزيد عليه فأخبره بوروده، و يده على أمّ- رأسه و الناس يهرعون إليه قدّامه و وراءه، فقال يزيد: فورة من فورات أبي محمّد، و عن قليل يفيق منها. فأذن له وحده، فدخل صارخا يقول:
لا أدخل يا أمير المؤمنين و قد فعلت بأهل بيت محمّد ما لو تمكّنت الترك و الروم ما استحلّوا ما استحللت، و لا فعلوا ما فعلت؛ قم عن هذا البساط حتّى يختار المسلمون من هو أحقّ به منك.
فرحّب به يزيد و تطاول له و ضمّه إليه و قال له: يا أبا محمّد اسكن من فورتك، و اعقل، و انظر بعينك و اسمع باذنك، ما تقول في أبيك عمر بن الخطّاب؟ أ كان هاديا مهديّا خليفة رسول اللّه و ناصره و مصاهره باختك حفصة، و الّذي قال: لا يعبد اللّه سرّا؟ فقال عبد اللّه: هو كما وصفت، فأيّ شيء تقول فيه؟ قال: أبوك قلّد أبي أمر الشام أم أبي قلّد أباك خلافة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله؟ فقال: أبي قلّد أباك الشام. قال:
يا أبا محمّد أ فترضى به و بعده إلى أبي أو ما ترضاه؟ قال: بل أرضى، قال: أ فترضى بأبيك؟ قال: نعم، فضرب يزيد بيده على يد عبد اللّه بن عمر و قال له: قم يا أبا محمّد حتّى تقرأه. فقام معه حتّى ورد خزانة من خزائنه، فدخلها، و دعا بصندوق، ففتحه و استخرج منه تابوتا مقفّلا مختوما، فاستخرج منه طومارا لطيفا في خرقة حرير سوداء، فأخذ الطومار بيده و نشره، تمّ قال: يا أبا محمّد، هذا خطّ أبيك، قال: إي و اللّه، فأخذه من يده فقبّله فقال له: اقرأ، فقرأه ابن عمر، فإذا فيه:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم، إنّ الّذي أكرهنا بالسيف على الإقرار به، فأقررنا و الصدور و غرة، [١] و الأنفس واجفة، و النيّات و البصائر شايكة [٢] ممّا كانت عليه من جحدنا ما دعانا إليه، و أطعناه فيه رفعا لسيوفه عنّا،
[١]- وغر صدره على فلان: توقّد عليه من الغيظ. و الواجفة: المضطربة.
[٢]- من الشوك، أي كانت البصائر و النيّات غير خالصة ممّا يختلج بالبال من الشكوك و الشبهات. (منه ره).