فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٤١٢
منّي، يؤذيني ما يؤذيها، فمن آذى فاطمة فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى اللّه عزّ و جلّ». و هذا يدلّ على عصمتها، لأنّها لو كانت ممّن تقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له صلّى اللّه عليه و آله على كلّ حال، بل كان متى فعل المستحقّ من ذمّها أو إقامة الحدّ- إن كان الفعل يقتضيه- سارّا له و مطيعا.
على أنّا لا نحتاج- فيما يريده- إلى أن ننبّهه على القطع على عصمتها، بل يكفي فى هذا الموضع العلم بصدقها فيما ادّعته، و هذا لا خلاف فيه بين الامّة، لأنّ أحدا لا يشكّ في أنّها (عليها السلام) لم تدّع ما ادّعته كاذبة، و ليس بعد أن لا تكون كاذبة إلّا أن تكون صادقة، و إنّما اختلفوا في أنّه هل يجب مع العلم بصدقها تسليم ما ادّعته بغير بيّنة أم لا يجب ذلك؟
و الّذي يدلّ على الفصل الثاني أنّ البيّنة إنّما تزاد ليغلب في الظنّ صدق المدّعي، أ لا ترى أنّ العدالة معتبرة في الشهادات لما كانت مؤثّرة في غلبة الظنّ بما ذكرناه؟ و لذا جاز أن يحكم الحاكم بعلمه من غير شهادة، لأنّ علمه أقوى من الشهادة، و لهذا كان الإقرار أقوى من البيّنة من حيث كان أبلغ في تأثير غلبة الظنّ. و إذا قدّم الإقرار على الشهادة لقوّة الظنّ عنده، فأولى أن يقدّم العلم على الجميع، و إذا لم يحتج مع الإقرار إلى شهادة لسقوط حكم الضعيف مع القويّ، فلا يحتاج أيضا مع العلم إلى ما يؤثّر الظنّ من البيّنات و الشهادات.
و الّذي يدلّ على صحّة ما ذكرناه أيضا أنّه لا خلاف بين أهل النقل في أنّ أعرابيّا نازع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في ناقة، فقال صلّى اللّه عليه و آله: هذه لي و قد خرجت إليك من ثمنها، فقال الأعرابيّ: و من يشهد لك بذلك؟ فقام خزيمة بن ثابت فقال: أنا أشهد بذلك، فقال له النبيّ صلّى اللّه عليه و آله: من أين علمت؟ أحضرت ابتياعي لها؟ فقال: لا، و لكنيّ علمت ذلك من حيث علمت أنّك رسول اللّه، فقال صلّى اللّه عليه و آله:
قد أجزت شهادتك و جعلتها شهادتين؛ فسمّي خزيمة «ذا- الشهادتين» بذلك. و هذه قصّة مشهورة، و هي مشبهة لقضيّة فاطمة (عليها السلام) يشهد بذلك من حيث علم أنّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و لا يقول إلّا حقّا، و أمضى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذلك على هذا الوجه،