فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ١١٤
الإنسان؛ مع أنّا نعلم أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أفضل الناس حكمة، و أصوبهم رأيا و أكملهم عقلا، و أصلحهم علما و عملا، و أنّ فعله صلّى اللّه عليه و آله هو عين الحكمة و الصواب، و أنّ قوله الفصل و ما هو بالهزل، و كان مدينة العلم و الحكمة؛ و قد يكرّر هذه الأقوال و الأفعال حتّى أنكرت عليه عائشة تقبيله نحرها و يدها و أمثال ذلك، و قال صلّى اللّه عليه و آله في جوابها: «لمّا اسري بي إلى السماء أكلت من ثمار الجنّة، فخلق اللّه منها فاطمة، فكلمّا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممتها»، و غير خفيّ أنّ هذا الجواب مطابق لفكرها و على قدر عقلها؛ فلا بدّ لها من أسرار أخر و علل سواه تشبه علمه و حكمته.
و عندي أنّ هذا النحو من الحبّ الغزير و الإكرام الكثير ليس منشأها محض الولادة و القرابة الظاهريّة، إذ ليس هذا الحدّ من العلاقة في متعارف الناس؛ بل السرّ الأعظم فيها إظهار شأنها للامّة و ما تنطوي عليه من الشؤون و الفضائل و الأخلاق الّتي أبانها قوله صلّى اللّه عليه و آله:
«فاطمة منّي و أنا منه»؛ و بذلك جعلها مثلى لطريق الحقّ، و علما يهدى به في ظلم الفيافي، و انموذجا كاملا للإنسانيّة، و ميزانا للحقّ و الباطل في هجوم اللوابس و الفتن الّتي ستوقع بعده صلّى اللّه عليه و آله.
و لولاها لما بقيت للنبوّة بقيّة، كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطابه لها: «يا ابنة الصفوة و بقيّة النبوّة»، و قد جعلها اللّه عزّ و جلّ سيّدة النسوان و جعل حياتها امتدادا لحياة أبيها صلّى اللّه عليه و آله و استمرارا لأهدافه العالية من حيث مجاهداتها أمام الّذين جعلوا الإسلام وسيلة إلى أغراضهم الفاسدة و آرائهم الكاسدة بعد وفاة أبيها صلّى اللّه عليه و آله، و تظافروا على هضم الإسلام شيئا فشيئا.
كيف لا، و قد نقل ابن أبي الحديد في شرحه: قال له (عليّ (عليه السلام)) قائل: يا أمير المؤمنين أ رأيت لو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ترك ولدا ذكرا قد بلغ الحلم، و آنس منه الرشد، أ كانت العرب تسلّم إليه أمرها؟ قال: لا، بل كانت تقتله إن لم يفعل ما فعلت ... و لو لا أنّ قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرئاسة، و سلّما إلى العزّ و الإمرة لما عبدت اللّه بعد موته يوما واحدا ... [١]
[١]- «شرح النهج» ج ٢٠، ص ٢٩٨.