فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٤٢٨
وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» [١].
احتجّت الزهراء و الائمّة من بنيها بهذه الآية، على أنّ الأنبياء يورّثون المال، و أنّ الإرث المذكور فيها إنّما هو المال لا العلم و لا النبوّة، و تبعهم في ذلك أولياؤهم من أعلام الإماميّة كافّة. فقالوا: إنّ لفظ الميراث في اللغة و الشريعة لا يطلق إلّا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، و لا يستعمل في غير المال إلّا على طريق المجاز و التوسّع، و لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة.
و أيضا فإنّ زكريّا (عليه السلام) قال في دعائه: «وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا» أي اجعل يا ربّ ذلك الوليّ الّذي يرثني مرضيّا عندك، ممتثلا لأمرك. و متى حملنا الإرث على النبوّة لم يكن لذلك معنى و كان لغوا عبثا، أ لا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: اللهمّ ابعث لنا نبيّا و اجعله عاقلا مرضيّا في أخلاقه! لأنّه إذا كان نبيّا فقد دخل الرضا و ما هو أعظم من الرضا في النبوّة.
و يقوّي ما قلناه أنّ زكريّا (عليه السلام) صرّح بأنّه يخاف بني عمّه بعده بقوله: «وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي»، و إنّما يطلب وارثا لأجل خوفه، و لا يليق خوفه منهم إلّا بالمال دون النبوّة و العلم، لأنّه (عليه السلام) كان أعلم باللّه تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّا من هو ليس بأهل للنبوّة، و أن يورث علمه و حكمته من ليس لهما بأهل، و لأنّه إنّما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس، فكيف يخاف الأمر الّذي هو الغرض في بعثته.
فإن قيل: هذا يرجع عليكم في وراثة المال، لأنّ في ذلك إضافة البخل إليه.
فالجواب: معاذ اللّه أن يستوي الأمران، فإنّ المال قد يرزقه المؤمن و الكافر و الصالح و الطالح، و لا يمتنع أن يأسى على بني عمّه، إذ كانوا من أهل الفساد أن يظفروا بماله فيصرفوه فيما لا ينبغي، بل في ذلك غاية
[١]- مريم، ٣- ٦.