فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى(ص) - الرحماني الهمداني، أحمد - الصفحة ٥٤٣
قال: فتركه أكثر القوم لأجلها، فأمر عمر قنفذ بن عمران يضربها بسوطه، فضربها قنفذ بالسوط على ظهرها و جنبيها إلى أن أنهكها و أثّر في جسمها الشريف، و كان ذلك الضرب أقوى ضرر في إسقاط جنينها- و قد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله سمّاه محسنا- و جعلوا يقودون أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى المسجد حتّى أوقفوه بين يدي أبي بكر، فلحقته فاطمة (عليها السلام) إلى المسجد لتخلصه، فلم تتمكّن من ذلك، فعدلت إلى قبر أبيها فأشارت إليه بحزنة و نحيب و هي تقول:
نفسي على زفراتها محبوسة * * * يا ليتها خرجت مع الزفرات
لا خير بعدك في الحياة و إنّما * * * أبكي مخافة أن نطول حياتي
[١] ثمّ قالت: وا أسفاه عليك يا أبتاه، و اثكل حبيبك أبو الحسن المؤتمن، و أبو سبطيك الحسن و الحسين، و من ربّيته صغيرا، و و آخيته كبيرا، و أجلّ أحبّائك لديك، و أحبّ أصحابك عليك، أوّلهم سبقا إلى الإسلام، و مهاجرة إليك يا خير الأنام، فها هو يساق في الأسر كما يقاد البعير.
ثمّ إنّها أنّت أنّة و قالت: وا محمّداه، وا حبيباه، وا أباه، وا أبو القاسماه، وا أحمداه، وا قلّة ناصراه، وا غوثاه، وا طول كربتاه، وا حزناه، وا مصيبتاه، وا سوء صباحاه؛ و خرّت مغشيّة عليها، فضجّ الناس بالبكاء و النحيب، و صار المسجد مأتما.
ثم إنّهم أوقفوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بين يدي أبي بكر و قالوا له: مدّ يدك فبايع. فقال: و اللّه لا ابايع، و البيعة لي في رقابكم.
فروي عن عديّ بن حاتم أنّه قال: و اللّه ما رحمت أحدا قطّ رحمتي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حين اتي به ملبّيا بثوبه، يقودونه إلى أبي- بكر و قالوا: بايع. قال: فإن لم أفعل؟ قالوا: نضرب الّذي فيه عيناك.
- قال:- فرفع رأسه إلى السماء و قال: اللهمّ إنّي اشهدك أنّهم أتوا أن
[١]- هذه الأبيات أنشدها أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد دفن فاطمة (عليها السلام) كما في بعض الروايات. و الشاهد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أخبر ابنتها بسرعة اللحاق به- كما في الروايات- فلم يصحّ عنها قولها: «أبكي مخافة أن تطول حياتي».